“الملف 42”.. حكاية لن تنتهي كما الأرقام

العمل في مجمله يقدم أكثر من مجرد رواية كلاسيكية لها بداية وعقدة ثم حل...

قراءة في كتاب: السالكة الغزاري 

 

في الوقت الذي يتصارع الناس ضد الوباء التاجي، أو يهرولون لتصيد أخباره من هنا وهناك، كنت أنا خارج مدار الزمن، أخطط لحياةٍ أخرى في حفل قرائي بعد نفوري من القراءة دام أشهراً.. وبخطى متثاقلة، كوقت الحجر الصحي المتثائب، وقفت أمام مكتبتي الصغيرة، ركني الآمن، وأنا عازمة محادثتها بشأن شخصي.. ولكن سرعان ما ضيعتُني في زحام التفكير..

وبقلبي المغلول عن كل شيء، والمنفتح على كل شيء؛ أخذت تلابيب رواية كانت هدية من أمي في ميلادي.. وبعدئذٍ خرجتُ خلفي، أتتبّع خطاي، محملقةً في هذه الحكاية الصفراء الفاقع لونها، وأنا أتساءل، هل متنها يسر القارئين؟!، وهكذا قررت اكتشاف ماتحمله هذه الأوراق من أسرار، فانغلقت على ذاتي وغصت في الاصفرار..

السالكة الغزاري
السالكة الغزاري

الكتابة، هي اليد الوحيدة التي تصفق حينما تتلاشى القيم، القيم التي خبئت بالفطرة بين الضلوع؛ ليخرج النص ثائرا بين أياد مبتورة، نص يقبض على الحقيقة من ظفيرتها ويرميها خارج الأسطر، حقيقةٌ منشطرة تتعفر في رماد حرائق الأبجدية، الأبجدية المُسخرة لخدمة الذل والمهانة والانتصار لهما.. فوحدها الحقيقة من يشتق منها ضلع الكتابة، وهي الهيكل القدسي الذي يُخرج من أعمدته أسطرا صارخة، ما لم يتخلخل منها واقف!..

وحين هممت بالدخول لعالم هذا النص، قطعت لحظة من الزمن لأقف متأملة ذلك العنوان، عنوان من جزئين، وضع بعناية حمراء تثير العين، كلمة ورقم، “الملف 42”..

عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة

فأي ملف هذا يا ترى؟ وما قصة هذا الرقم المدرج؟، هل كان الكاتب يتناول ملفات متعددة، هل دخل مغارة لعلي بابا فوجد كنوزها استحالت ملفات، وقبض على شيء في أحداها؟ هل أنا أمام رواية تُعنى بالحقوق والحريات، أو بالقانون، وأي قانون يكمن في متن الحكاية؟..

فجأة، تذكرت أنني أنظر للشرفة المعلّقة على خاصرة البيت، البيت الذي بدأت بدخوله، وسبرت أغواره في ست ساعات متتالية.. وخرجت منه، مفعمة بحقيقة واحدة مفادها أن الملفات في جملكيات الموز لا تنتهي كما الأرقام، وأن الإنسان في هذا المكان الموبوء مجرد رقم جامد في ملف ما، وأنني أننا وأنتم مجرد شخصيات هائمة على وجهها فوق ركح الحياة، تنتظر من يجمع حكايتها توازيا بخيط ناظم من خيوط كتابة ما بعد الحداثة..

سباطة، روائي شاب في زمن موت الرواية، متخصص في الهندسة المدنية، جاء هاربا من الأسمنت والحديد والبنايات، ليبني صرحًا أدبيا قائما على كوميديا إنسانية بقسمات مغربية، ملؤه الدهشة، بلغة نقية غير متكلفة..

وكما تولد من الأرض عمارات شاهقة، ولدت من رحم الرقم “42” أرقام ثم كلمات، “1942” “1959”،”20000″، “1971”، “18000”،”الحرب العالمية الثانية”، “عملية الشعلة”، و”الزيوت المسمومة”، وللقارئ أن يحظى بفرصة البحث والإكتشاف، كما حدث معي..

فقد برع عبد المجيد سباطة، في تصوير كارثة الزيوت المسمومة، حبرا، ونبش في كارثة ليست الأخيرة، ولكنها كانت كالطفل وحيد الأسرة، تدور مربياته ببيته مذعورات إن تأخر في النوم، يولين عناية خاصة به إلى أن ينام، وحين ينام يعلّقن الأدعيةَ الخضراء السميكةَ فوقَ رأسه خشية أن يستفيق صراخا، طفل من صلبهم لكنهن يخشين صوته، ليخرسه القدر إعاقة… ولن يكون الطفل الأخير!..

‏‎العمل في مجمله يقدم أكثر من مجرد رواية كلاسيكية لها بداية وعقدة ثم حل، بل تجاوزها إلى أبعد من ذلك، حين يجعل تيمات الحب، القهر، الاغتصاب والخيانة بشتى أنواعها، “قوة انتقامية” تنتقل عبر الورق لتجعل من العالم قريةً صغيرةً، قرية بلا أشجار خضراء تسر الناظرين، وبلا ضوء يخلب الأبصار، قرية تكتفي بأن تعلّم صغارها كيف يحفظون اسم العدوّ غَيباً، وترمي الخشية نياطًا على قلوب ساكنتها، وإن غاب أحدهم تبرأوا منه..
قريةٌ لم توزع العتمة على البيوت بالتساوي، بل كانت تتعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى، وتحلي شاي البعض بدماء البعض، مستفيدة من غياب ديك يصيح لتستفيق الضمائر، على إشراقة المستقبل، أو تخشى ثرثرة التاريخ، الذي يروي حكايا دولٍ قد خلت من قبلها دولُ!..

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.