تخريب لغشيوات.. عودة نقاش “المحافظة على المواقع الأثرية” إلى الواجهة

أعادت موجة التخريب الذي تتعرض له مواقع التراث الصخري المنقوش والمرسوم، بمنطقة لغشيوات، بإقليم السمارة، النقاش حول ضرورة المحافظة على هذا الموروث الثقافي الإنساني، الذي يجب حمايته وفق رؤية عديد من النشطاء استشارتهم “الصحراء أنتليجنس”.

فريد عالميًا

موقع لغشيوات.. كاميرا البشير الإدريسي
موقع لغشيوات.. كاميرا البشير الإدريسي

ويؤكد محمد سالم الشرقاوي لـ”الصحراء أنتليجنس”، أن “هذا النقش على الرخام فريد ووحيد عالميًا، ومن السمارة إلى تيرس عبر زمور، المنطقة غنية جدا، ووعاء كبير إيكولوجيًا”.

وهذا الموضوع بالنسبة للشرقاوي، “يحظى باهتمام دولي، ومؤطر بترسانة قانونية في الوثائق الدولية، وحتى القانون المغربي يؤطره وهنالك مجموعة من المؤسسات تشتغل عليه وتهتم به، في مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ويجب المحافظة على هذا الموروث الذي يعتبر جزء من الهوية والثقافة”.

واعتبر أن “هذه التأثيرات التي تقع، كل فترة لابد لها من تأطيرات قانونية، وسبق لنا الاشتغال مع المجالس الجماعية والاقليمية لكي تجتهد وترصد إمكانيات للحفاظ على هذه المواقع وتحديدها”.

وأشار الشرقاوي، في تصريحه لـ”الصحراء أنتليجنس”، إلى أن “غياب خارطة وقوانين مجسدة على المستوى الإقليمي التي تمنع هذه الشركات من استغلال بعض المناطق التي تزخر بهذا الموروث الثقافي، يعطي مجالا لهذه الانتهاكات والتجاوزات”.

موقع أثري اسثنائي

موقع لغشيوات.. كاميرا البشير الإدريسي
موقع لغشيوات.. كاميرا البشير الإدريسي

“تحبل الصحراء بالعديد من المواقع الأثرية لما قبل وقبيل التاريخ، ومن بين هذه المواقع الأثرية ينتصب موقع لغشيوات كأبرز موقع أثري اسثنائي يطبع معرفتنا بمغرب ما قبل وقبيل التاريخ، ويطلعنا على تاريخ المجموعات البشرية القديمة التي استقرت بتلك الربوع، ومدى غناها الثقافي والفني والتقني، هذا الغنى والتنوع يصف لنا المحيط البيئي الرطب والماطر للمنطقة والذي عرف استقرارا طويلا لهذه المجموعات البشرية، قبل التصحر الذي تعرفه المنطقة اليوم”، يقول الإمام دجيمي، فاعل سياسي ومدني مهتم بالفنون الصخرية، لـ”الصحراء أنتليجنس”.

ويؤكد دجيمي أن هذا الموقع الأثري “صنف ضمن لائحة التراث الوطني بقرار من وزير الثقافة 17.352 الصادر سنة 2017 بالجريدة الرسمية، باسم جمعية ميران لحماية الآثار، وهي الجمعية العالمة الوحيدة بالإقليم المهتمة بشكل خاص بالفنون الصخرية وآثار ما قبل التاريخ، بشهادة المختصين في هذا المجال”.

ويعتبر موقع لغشيوات الأثري فريدا من نوعه لعدة اعتبارات منها “العامل الصخري الرخامي الذي نقشت عليه النقوش، وهي عبارة عن صفائح رخامية أفقية زرقاء رمادية، بالإضافة إلى تنوع المواضيع المنقوشة بالموقع لحيوانات برية من وحيدي القرن والفيلة والزرافات وفرس النهر والظباء غيرها من الحيوانات البرية وحيوانات مدجنة، ورموز فريدة غير مقروءة وكتابات ليبية أمازيغية وعربية متأخرة”.

وبداخل الموقع وعلى هوامشه نجد “الأدوات الحجرية بمختلف أصنافها من رؤوس نبال ورماح وفؤوس يدوية وقشور النعام وقطع السيراميك، إلى جانب العديد من المباني الجنائزية لما قبل الإسلام، هذا التنوع والغنى يغطي كل الحقبة الهوليسينية بالمنطقة، وهي فرصة مهمة للباحثين الأركيولوجيين والباليوجيوغرافيين والمهتمين بتاريخ المناخ للدراسة والبحث العلمي”، حسب الفنان التشكيلي.

جدير بالذكر في هذا الخصوص أن موقع لغشيوات، يعرف في الآونة الأخيرة بحثا ميدانيا لفريق علمي أثري مغربي فرنسي، على إثر اتفاقية شراكة وتعاون بين جمعية ميران لحماية الآثار بالسمارة صاحب المشروع، والمجلس الإقليمي للسمارة الداعم الرسمي للمشروع ومديرية التراث الثقافي بوزراة الثقافة والشباب والرياضة قطاع الثقافة والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.. مشروع يعنى بجرد جل المواقع الأركيولوجية بإقليم السمارة.

وخلال الأسبوع الماضي، وبالضبط يومي 02 و03 و04 يونيو الجاري، تفاجئ الرأي العام الوطني والمهتمين بالمواقع الأثرية، بوضع شركة محلية لمقالع الرخام لألياتها ومعداتها وبدأ عمليات الحفر بالموقع، دون الأخذ برأي حراس الموقع، بدعوى أن الشركة تتوفر على رخصة من وزارة التجهيز صادرة سنة 1995 لاستغلال الموقع كمقلع للرخام.

ويقول دجيمي لـ”الصحراء أنتليجنس”، “ومع كامل الأسف الشديد فبالفعل فقد قامت هذه الشركة بتخريب هام بالموقع خلال تسعينيات القرن الماضي، لازالت معالم وآثار التخريب بادية للعيان داخل الموقع. وبعد تدخلات السيد عامل إقليم السمارة إثر مراسلة من طرف السيد مدير المنتزه الوطني للنقوش الصخرية إثر إخبارية توصل بها من طرف المفتش الجهوي للمباني والمواقع التاريخية بالعيون وكذا إخباره من طرف السيد سيدي محمد مولود بيبا رئيس جمعية ميران لحماية الآثار وحراس الموقع، تم توقيف أعمال التخريب والحفر الذي باشرته الشركة”.

حلقة جديدة من مسلسل التخريب

موقع لغشيوات.. كاميرا البشير الإدريسي
موقع لغشيوات.. كاميرا البشير الإدريسي

مجموعة من الهيئات المدنية المهتمة بالتراث والمواقع الأثرية، دقت ناقوس الخطر أمام ما وصفته بـ”موجة التخريب الذي تتعرض له مواقع التراث الصخري المنقوش والمرسوم بالمغرب”.

ودعت إلى فتح تحقيق في حادث مباشرة شركة لأشغال استخراج الرخام من منطقة لغشيوات التي تعدم موقعا أثريا مسجلا في لائحة التراث الوطني.

وقالت 10 هيئات في بيان مشترك، توصلت “الصحراء أنتليجنس” بنسخة منه، إنها “تلقت باندهاش شديد التخريب المتعمد الذي تعرض له موقع لغشيوات الأثري بإقليم السمارة يومي 3 و4 يونيو 2020، وذلك من طرف شركة متخصصة في استغلال مقالع الحجارة، وفي خرق سافر للقوانين والتشريعات المعمول بها، علما أن الموقع مسجل في لائحة التراث الوطني (قرار وزير الثقافة 17.352 الصادر سنة 2017)، وحظي مؤخرا باهتمام كبير في إطار المجهودات الرامية إلى إنجاز مشروع مندمج لتهيئة وتثمين التراث الثقافي والطبيعي للمنطقة”.

واعتبرت أن الحادث “يعد حلقة جديدة من حلقات مسلسل التخريب المستمر لمواقع التراث الصخري المغربي”، كما وصفته بـ”الفعل الإجرامي الفادح”.

ودقت الهيئات ذاتها “ناقوس الخطر أمام موجة التخريب الذي تتعرض له مواقع التراث الصخري المنقوش والمرسوم ببلادنا (أكدز، الطاوز، تيباسكسوتين، مويه لغريب، أوكاس، لغشيوات، الفارسية، أوسرد)”.

وطالبت وزيري الداخلية والثقافة والشباب والرياضة بـ”التدخل العاجل لحماية موقع لغشيوات الأثري الهام والفريد من نوعه على المستوى الوطني، وفتح تحقيق جدي في الواقعة قصد تحديد المسؤوليات وترتيب ما يلزم”.

كما نددت بما أسمته “القفز على دور جمعيات المجتمع المدني في حماية المواقع الأثرية بالأقاليم الجنوبية من قبل بعض المسؤولين الجهويين”.

وطالبت بـ”مراجعة قرار توقيف سيدي محمد مولود بيبا من عمله كمحافظ للمواقع الأثرية بإقليم السمارة لكفاءته في هذا المجال ولغيرته ودفاعه على التراث الصخري بالأقاليم الجنوبية، فضلا عن دوره الكبير في حماية مواقع التراث الصخري بهذا الإقليم لسنوات عديدة”.

ودعت الهيئات العشر في بيانها المشترك وزارة الثقافة والشباب والرياضة للانخراط الجدي في التصدي “للبحث العلمي السري” الذي يقوم به بعض الأجانب بالأقاليم الجنوبية، وتوفير الإمكانيات اللوجيستية والبشرية لمصالحها التي عُهِدَ لها بالسهر على حماية التراث الصخري الوطني (المحافظات والمفتشيات الجهوية والمنتزه الوطني للنقوش الصخرية).

ودعت الجهات المعنية (الجماعات الترابية، وزارة التجهيز…) لتشديد المراقبة وإلزام شركات المقالع وتلك المكلفة بإنجاز أوراش البنيات التحتية والتجهيز باحترام دفاتر التحملات في شقها المتعلق بضرورة إنجاز دراسة الوقع على البيئة وعلى الآثار قبل بداية الأشغال.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.