من أجل ألا نكون “حصان العربة”

الصحفية: خولة اجعيفري

 

“حصان العربة”، كان هذا هو النعت الذي استخدمه دوستويفسكي في توصيفه للصحافي، ذلك لانه يرى بأن الصحافي الذي يعمل لدى المؤسسة الاعلامية لا يمكنه أن يعتنق آراءه بل هو مُلزَم باعتناق آراء صاحب المؤسسة ” سائق العربة “..
كنت استحضر هذا التوصيف الذي قرأته قبل أشهر في كل مرة، ارمق مادة منسلخة عن واقعنا، وكنت اطرح سؤال إلى أي مدى هذا الصحافي مؤمن بما يكتبه؟ مصدق لما يقوله؟ متأكد مما يخطه؟ منسجم مع الخط التحريري الذي يمثله طيب مع قناعاته مع كينونته ومع واقعه هو؟ هذا الصحافي الذي ينظر بالمبادئ والقيم الكونية إلى أي حد تمثله هو؟..

هذه السنة يأتينا 3 ماي اليوم العالمي للصحافة تحت عنوان “الصحافة من دون خوف أو محاباة”، إلى أي حد نحن خائفون وممن؟ تحدثت في ندوة اول امس عن الحرب التي يخوضها الصحافي في هذه الظرفية، فتارة يجد نفسه في قلب حرب بشرية ضد فيروس غير مرئي اي انه يجهل ملامح عدوه، وتارة يخوض حربا ضروس للبحث عن المعلومة الصحيحة وتحمل المسؤولين المتكتمين الذين لا يؤدون واجبهم في الافصاح عن المعلومة ويحرموننا حقنا في الحصول على المعلومة..

وتارة أخرى حرب ضد الاخبار الزائفة المتتالية والتي هاجت في هذه الآونة، ثم الحرب النفسية الكبيرة التي يتعرض لها الصحافي، يا ترى كيف سأقول هذه المعلومات دون تهويل او تهوين مع استحضر السلامة العامة، كيف سأحمي نفسي في الميدان من كورونا ومن الكورونات البشرية؟ كيف ساتحمل العمل من البيت وعبء التنقل بين الصالون وغرفة النوم والمعيشة..

خولة اجعيفري
خولة اجعيفري

 

“كورونا” حصد أرواح أكثر من خمسين صحافيا في جميع أنحاء العالم منذ الأول من مارس أثناء تغطيتهم للأزمة، كما وصم البعض منهم بالاعتداء لأنهم كشفوا الحقائق وتأثر بهم الرأي العام، كما استغله البعض في محاولة لتكميم الافواه تحت مطية قانون “لقيط” صادقت عليه الحكومة تحت دمس الظلام، أيضا استغلت الاحزاب السياسية للتراشق المقزز دونما احترام الظرفية..

شخصيا هذا الفيروس دفعني لطرح سؤال “لمن نكتب؟” لا أخفيكم، كان نقاشا متعبا مع أحد الزملاء قبل أسبوعين، مرهقا جدا امتد لساعتين حول الصحافة، هذا النقاش جعل صخب الأفكار والتساؤلات يؤرق راحتي، تساءلت وتساءلت مرارا “أنا لمن أكتب؟ ما جدوى أن أكتب؟ ما هو التغيير الذي قد تفعله كتاباتي؟ موقنة جدا أنه طيلة مساري الصحافي المتواضع أنجزت تحقيقات، حوارات ريبورتاجات ملفات تقارير آمنت بها، وفخورة بها وجمعيها تمثلني، لكن ما الذي غيرته؟ بعملية حسابية أدركت أن المواد التي غيرت شيئا أو احدثت جعجعة لا تتحدى 10 بالمائة من مجموع موادي..

طيب بالمقابل، كم هي المواد التي لو عاد بي الزمن إلى الوراء ما كنت لأخطها؟ هي 1 بالمائة فقط، واغلبها طلب مني كتابتها، ولم أكتبها عن طيب خاطر أو عن قناعة واقتناع،
إذن ما دامت النسبة قليلة لماذا لست سعيدة، وراضية تماما، ومؤمنة بما أفعله… الحقيقة لسبب واحد هو “لمن أكتب”؟؟؟ ..

لقارئ لا يقرأ… تستفزني جدا التعليقات التي تقول “ماعندناش صحافة فالمغرب” إذن من أنا؟ وما الذي أفعله؟ أرغب في الرد على هؤلاء بجملة واحدة “طيب أنت متى كانت آخر مرة قرأت فيها؟ فقط قراءة سطر أو سطريين إخباريين… لم أقل متى كانت آخر مرة اقتنيت فيها الجريدة؟”
لا جواب، ولا ابتغي جوابا أساساً…أنا مؤمنة جدا بالصحافة الورقية، وأعلم جيدا أنها الأساس “وهي الساس والراس”، كان واحدا من الأسئلة التي صادفتني في امتحان شفوي لولوج معهد الصحافة “صوتك جميل ووجهك جميل لماذا الصحافة المكتوبة، جل الشابات في عمرك تفضلن التلفزة والاذاعة”..

ارتبكت وقتها ونظرت باستحياء كبير لأجيب، بأن الصحافة المكتوبة الورقية هي أنا هي كينونتي أحس نفسي حرة، لا أخجل في الكتابة، بالمقابل لا ارتاح أمام عدسة الكاميرا، ويغلب على الخجل..
وقتها اجابني الاستاذ بـ”اتوقع ان تنجحي في الصحافة المكتوبة وتشكلي فارقا لكن أيضا في الإعلام المسموع والمرئي”..
بحثت عن هامش الحرية كثيرا، اشتغلت فريلانس لأكثر من جريدة دولية وعربية قبل أن التحق بـ”القدس العربي” بالرباط، واتتلمذ على يد ابي الروحي عبد الباري عطوان.. مضت السنوات ولا انزعج من ذكرها ابدا، تقدمت بطلب عمل لواحدة من الصحف الوطنية الورقية قبلت، لكن مديرها كان يطلب مقالات على مقاسه لم اقتنع، ثم غادرت في غضون اسبوعين ووضعت خطا احمر على الصحافة الوطنية وعدت للدولي، حصلت على جائزتين وطنييتين وواحدة دولية بريطانية، ومع ذلك كنت احس نفسي ناقصة
الكثير من الأحداث، قبل أن التحق بأخبار اليوم “صدفة”، فكانت من أفضل الصدف التي منحنى إياها القدر، الحديث عن الأمر مطول، لكن أقول أن فرصا كبيرة جاءتني بفضل هذه الجريدة، وكثيرا ما كانت براتب أكبر بكثير من هذا الراتب الذي اخده من أخبار اليوم بصفة غير منتظمة لكن حتمية، لكن كنت أتراجع دائما لسبب وحيد “هامش الحرية” الذي تمنحه لي هذه الجريدة، قد لا يمنحه منبر آخر سواء داخل أو خارج المغرب..
قد يبدو الأمر سخيفا لكن ما كتبته الان هو مجرد بوح مقتضب، في هذا اليوم، عموما ما يدور في رأسي ويتعبني أكبر وامتن وأكثر مما ذكرت.

اتمنى فقط، أن نعود لحياتنا الطبيعية لا فاقدين ولا مفقودين، أن نعود إلى الميدان إلى الفيافي إلى الحواضر إلى الجبال إلى الندوات إلى البرلمان… نتمنى أن نكون سلطة رابعة، متحكمة تساءل الحكومة تضغط عليها، تراقبها تحثها، تدقق معها… لا أن يحدث العكس فكلهم ماضون راحلون إلا نحن “صحافيون” أي باقون خالدون..
دعونا لا نكون حصان عربة المسؤولين !..

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.