atlasbanner

السلاطين والدين في مواجهة الأوبئة بالمغرب

الإجراءات التقييدية التي فرضها ظهور الفيروس التاجي هي ظاهرة شبه عالمية، ولكن في حالة المغرب، ليس تمامًا، لأن ماضيه غني بالأوبئة الأخرى المدمرة، كما يتذكر المؤرخ نبيل مولين.

لجأ كل من السلاطين والعلماء (أطباء الإسلام) في الماضي إلى إغلاق الحدود، وحجر الوافدين الأجانب أو إغلاق المساجد، ويظهر التاريخ أنه عندما يرفضون القيام بذلك، كانت العواقب وخيمة للسكان.

ظاهرة هيكلية

حسب مولين، كان تفشي الأوبئة ظاهرة شائعة في تاريخ المغرب منذ وجوده، فمنذ القرنين الثاني عشر والتاسع عشر، على سبيل المثال، تم تسجيل حوالي 140 وباءً.

على الرغم من أن معظم هذه الأوبئة كان لها تأثير محدود، إلا أن أربعين منها كانت لها عواقب وخيمة على جميع المستويات، وخاصة أنواع مختلفة من الطاعون والحمى والجذام والجدري والزهري والكوليرا والحصبة.

وجاءت هذه الأوبئة من الخارج ، إما عن طريق البحر عبر الموانئ الشمالية، لا سيما طنجة وسبتة وتطوان، أو عن طريق البر من الجزائر، وانتشرت داخليًا من خلال الحجاج أو التجار أو الجيش.

في عام 1799، على سبيل المثال، تولى السلطان العلوي مولاي سليمان (1792-1822) قيادة جيشه، المتضرر بالطاعون، واتجه من فاس، إلى مدن آسفي والصويرة ومراكش الجنوبية، مما تسبب في الانتشار السريع للمرض والخسارة البشرية الشديدة.
وكانت الأوبئة الكبرى استنزافًا ديموغرافيًا حقيقيًا في المغرب؛ ففي عام 1348، على سبيل المثال، قتل الطاعون الأسود ما بين 30 بالمئة و50 بالمئة من السكان (بين 1.5 و2.5 مليون شخص)، ولم تستعيد البلاد سكانها السابقين حتى نهاية القرن السادس عشر.

 

الإجراءات الرسمية

 

هناك طريقتان من أكثر الأساليب التي تم تبنيها في حوض البحر الأبيض المتوسط، ​​منذ العصور الوسطى لحماية أنفسهما من الأوبئة؛ إغلاق الحدود والحجر الصحي.

ومع ذلك، فإن السلطة المركزية المغربية، المعروفة باسم “المخزن”، لم تقبل بسهولة مثل هذه الإجراءات، حسب قول مولين.

تم إغلاق حدود الإمبراطورية فقط في مناسبات قليلة (1582، 1679، 1804، 1810 و1817)، بينما لم يتم استخدام الحجر الصحي حتى نهاية القرن الثامن عشر.

في عام 1792، أنشأ القناصل الأوروبيون في طنجة (العاصمة الدبلوماسية للسلطنة) مجلسًا صحيًا لمنع الأوبئة، بما في ذلك الحجر الصحي للأشخاص الذين يصلون إلى البلاد في أوقات الأوبئة. وتم تطبيق هذا الإجراء بنجاح في المدينة عدة مرات بين 1793 و1817.

وفي عام 1818، وصلت سفينة مليئة بالحجاج إلى ميناء طنجة، وعرف القناصل أن بعض الركاب أصيبوا بالطاعون وحاولوا إقناع مولاي سليمان بالحجر الصحي، لكن الملك رفض لأن أبنائه كانوا على متنها.

وفي عام 1878، اقترح ممثلو السلطان حسن الأول (1873-1894) في طنجة أن يضرب حبلًا صحيًا حول المدينة لحماية البلاد، لكن الملك رفض الاقتراح، معتبرًا أنه “تقليد للكفار”.

ويشير المؤرخ إلى أن السلاطين الآخرين، مثل يعقوب المنصور (القرن الثاني عشر) وأبو عِنان المريني (القرن الرابع عشر) وأحمد المنصور (القرن السادس عشر) اتخذوا إجراءات احترازية مستوحاة من الأطباء اليونانيين والعرب لحماية أنفسهم وبيئتهم.
على سبيل المثال، عزلوا أنفسهم في قصورهم أو لجأوا إلى القرى النائية، حيث غيروا محل إقامتهم كل يومين على الأقل؛ كما قللوا الاتصال بالعالم الخارجي، وقاموا بتطهير الرسائل التي تلقوها قبل قراءتها بالخل.

رجال الدين والعلم

 

وفيما يتعلق بالرأي الديني الذي كان له وزن في قرارات الدولة، رد رجال الدين بطريقتين؛ الاتجاه الأول يرى الأوبئة بطريقة التوفيق بين النصوص المقدسة والعلم، حسب معايير الوقت، على الرغم من أنها كانت أقلية.

وأما المجموعة الثانية، الأكثر هيمنة، فقد تبنت تفسيرًا ميتافيزيقيًا، واعتبرت أن الأوبئة كانت عقابا إلهية، وبالتالي، تم حظر اتخاذ إجراءات وقائية.

ويروي مولين قصة حالتين متناقضتين، قضية ابن أبي مدين، أحد أهم مشايخ الصوفية في سلطنة بني مرين، الذين اعتقدوا أن الطاعون مرض معدي مثل جميع الحالات الأخرى، وبالتالي طلب أخذ جميع أنواع الاحتياطات.

“عندما سمع أن الطاعون الأسود وصل إلى سلا، عام 1349، اتخذ إجراءات صارمة؛ بعد تخزين ما يكفي من الطعام، أغلق باب منزله لتجنب أي اتصال بالعالم الخارجي. وبهذا، تمكن من إنقاذ عائلته وجزء من طلابه”، يقول المؤرخ.

الموقف الذي يعارض موقف أحمد بن عجيبة، أحد الشخصيات الصوفية البارزة في القرن الثامن عشر، والذي اعتبر أن الطاعون انعكاس لإرادة إلهية لا ينبغي معارضتها بأي شكل من الأشكال.

عندما انتشر المرض عبر تطوان، شمال البلاد، بين عامي 1798 و1800، عارض هذا الشيخ بشدة أي إجراء وقائي.
ويتذكر مولين، “كانت النتيجة كارثية؛ مات جميع أطفاله، وانضم إليهم شخصيًا لاحقًا نتيجة لوباء عام 1808”.

 

شلل الطقوس

 

في عام 1056، على سبيل المثال، تم تعليق الصلوات الجماعية وإغلاق أبواب المساجد لحماية الناس من الطاعون، ولكن في معظم الوقت ظلت مفتوحة، وجاءت إليها أعداد كبيرة من الناس من أجل العطف الإلهية، مما أدى إلى نتائج عكسية.

وفيما يتعلق بالحج، أصدر العديد من العلماء الكبار للعقيدة المالكية، وهي الرسمية في المغرب، فتاوى دافعت عن الحفاظ على الأرواح، معتبرةً أنها أكثر أهمية من تحقيق الدين، كما يقول مولين.

في عام 1897، أمر السلطان العلوي مولاي عبد العزيز (1894-1908) بتعليق الحج المغربي إلى مكة لأسباب سياسية وصحية، كان أهمها انتشار الطاعون من الهند.

 

الأوبئة والملكية

على الرغم من ضعفهم، اتخذت السلطة المركزية من حين لآخر بعض التدابير الوقائية لحماية الملكية وجمع الموارد المتاحة لمكافحة الأوبئة، بالإضافة إلى إغلاق الحدود وإنشاء الحجر الصحي، قام بعض الملوك بتوزيع الطعام والمال على الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليها.

بالإضافة إلى ذلك، وزعت السلطات البذور على المزارعين، واستوردت المواد الغذائية، وحددت الأسعار وحاربت المضاربة.

في بعض الحالات، أضعفت الأوبئة النسيج الاجتماعي، وخاصة قوة القبائل والجماعات الدينية، مما ساعد السلطة المركزية على تعزيز نفوذها، وبسط سيطرتها على مناطق مختلفة من الإمبراطورية.

ولكن في معظم الأوقات، أضعفت هذه الأوبئة السلطة المركزية وشرعيتها، بسبب عائدات الضرائب المنخفضة، ونقص الموارد البشرية، وضعف الهياكل الإدارية.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.