الهجرة زمن الجائحة.. جراحٌ لم تشفى بعد

المحنة التي عاشها المهاجرون المنحدرون من دول جنوب الصحراء، والذين كانوا بمدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء

المرابط سعيد

“أغلق كل شيء، وأصبحت فجأةً في حالة من اللا يقين، لا عمل، لا خروج ولا حتى مساعدات… وما زاد الطين بلةً، هو وصمنا بالفيروس”، يبتسم غالا وهو يتذكر بهذه الكلمات المحنة التي عاشها المهاجرون المتحدرون من دول جنوب الصحراء، بمدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء؛ إبنان اشتداد الجائحة، والاغلاق التام في بداية حالة الطوارىء الصحية.

غلق السلطات بناية بمدينة العيون يقطنها مهاجرون ومنعهم من الخروج بحجة العدوى في شهر يونيو الماضي
غلق السلطات بناية بمدينة العيون يقطنها مهاجرون ومنعهم من الخروج بحجة العدوى في شهر يونيو الماضي

مأساة بطعم الجائحة

كان المهاجر النحيف غالا (29 سنة)، شابًا نشيطًا، يتنقل بذكاء بين أزقة المدينة، يشتغل كل شيء من أجل ضمان لقمة العيش، ولكن جائحة الفيروس التاجي، الساربة، قلبت كل ذلك رأسًا على عقبٍ، وتركته كغيره من المهاجرين غير النظاميين محاصرين بين الغربة والعوز.
“في تلك الفترة، جميع السود لم يعد لديهم أي شيء يعيشون عليه”، يقول غالا، وسط مدينة العيون بعدما قبل الحديث، بشروط عدم التصوير.
غالا، وإن كان قد غير رأيه في ما بعد، ولكنه كغيره من مواطني دول جنوب الصحراء جاء يحمل في حقائبه حلم العبور إلى الفردوس الأوروبي.
“لم أفكر قط في الهجرة، كنت أكسب ما يكفي للبقاء على قيد الحياة، أحببت هذه البلاد، ولكن بعد المأساة التي عشت كغيري من المهاجرين بدأت أفكر في ما جئت من أجله”، يوضح غالا.

آثار مدمرة

من جهتها، تقول هيلينا مالينو، مؤَسِسة منظمة “كاميناندو فرونتيراس” غير الحكومية، بأن “آثار الوباء كانت مدمرة للمهاجرين على كل المستويات”.
تضيف مالينو أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة المغربية لمساعدة مواطنيها، أهملت المهاجرين “العاملين في القطاع غير الرسمي، والذين يعيشون على التسول والمساعدات”.

وتشير مالينو إلى أنه بالاضافة إلى كل هذا وذلك، وتحديدًا بعد وصول قوارب المهاجرين إلى جزر الكناري، على متنها مواطنون من دول جنوب الصحراء، قامت السلطات المغربية بـ”جرائم ضد المهاجرين، إذ قامت باحتجازهم دون سند قانوني، بحجة أنهم مصابون بالعدوى”.

عملية نقل المهاجرين لاجراء اختبار فيروس كوفيد-19 بمدينة العيون
عملية نقل المهاجرين لاجراء اختبار فيروس كوفيد-19 بمدينة العيون

و”عندما يحدث شيء لعضو في مجموعة، يتم إلقاء اللوم على المجموعة بأكملها، فإذا كان المهاجر الأسود مصابًا بالفيروس التاجي، فيعتبر الناس جميع الأحياء التي يقطنها السود بؤرًا، في حين أنه إذا كان المواطن العادي حاملًا  للفيروس، فلن يكون الأمر كذلك”، توضح الخبيرة الإسبانية في الهجرة.
وفي نهاية يونيو من العام الماضي، قال موقع “المهاجر نيوز” المتخصص في الهجرة، أن “السلطات المغربية أوقفت نحو 50 مهاجرا ينحدرون من أفريقيا جنوب الصحراء يوم الأحد 21 يونيو، وتم نقلهم إلى مدرسة في مدينة العيون في منطقة الصحراء الغربية”. وأضاف الموقع “طوال سبعة أيام، تم احتجازهم في الفصول الدراسية، دون الوصول إلى المياه الجارية أو الملابس النظيفة، ودون إمكانية الخروج أو تناول الطعام بشكل طبيعي”.
وفي تصريح للموقع المذكور، قال أمادو، وهو مهاجر غيني يبلغ 20 عاماً، “لقد عوملنا كالحيوانات، كان كل شيء قذرا جدا، ونمنا على الأرض على فرشات صغيرة، لم يكن هناك ماء في المراحيض، كان يتم إعطاؤنا قطعتين من الخبز يوميا، والأرز وأحيانا سمك السردين أو اللبن”.
وكان أمادو في صالون تصفيف الشعر الذي يعمل فيه عندما قدمت الشرطة لإحضاره وإخضاعه للفحوصات، ويؤكد وفق ذات المصد التمييز العنصري الذي تعرضوا له “هم لا ينظرون إلى من يتم اعتقالهم، كل ما يهمهم أن بشرتنا سوداء”.

عنصرية الوباء

ما تقوله مالينو، تؤكده السينغالة عائشة، ذات الـ25 ربيعًا بقولها “في الشوارع والأزقة، كان الأطفال يطلقون علينا كورونا، ويضعون أياديهم على أنوفهم”.

عائشة مهاجرة من السينغال بمدينة العيون
عائشة مهاجرة من السينغال بمدينة العيون

وحسب المعطيات التي استقاها معد هذا التحقيق، من مصادر حقوقية متعددة، فإن كلام الحقوقية مالينو والمهاجرة عائشة، شهادتان ليستا حالتين منفصلتين، “بل تمثلان واقع المهاجرين السود في الصحراء الغربية، والذين احتجزتهم السلطات في مراكز الاحتجاز وفي أماكن إقامتهم؛ بحجة إخضاعهم لفحوصات فيروس كورونا”.
هذه الشهادات، والتي تؤكد احتجاز مهاجرين -بـ”أعذار واهية” وفق تعبير من يرفضونه-، جعل كل مهاجر من جنوب الصحراء يشتبه في إصابته بالفيروس التاجي، وهو ما أدى إلى إفراز نوع جديد من العنصرية يمكن تسميتها بـ”عنصرية الوباء”.
في تلك الفترة، جعلت السلطات العدوى بالفيروس التاجي فرصة لتوقيف مهاجري جنوب الصحراء الكبرى، فقد كان اختبار واحد إيجابي، كافيًا لإبقاء الجميع في مراكز الاعتقال.
ويشار إلى أنه في بداية مارس من العام الماضي، عندما أعلن عن وباء الفيروس التاجي بالمغرب، قامت السلطات ببناء ما يصل إلى ثلاثة مراكز اعتقال، واحد في العيون، وآخر في طرفاية والثالث في بلدة “طاح” بين الاثنتين، من أجل حصر المهاجرون غير النظاميين الذين كان هدفهم الوصول إلى جزر الكناري خلال مرحلة الحجر الصحي.
وتطرقت منظمة “أوكسفام” لهذه القضايا، في تقرير لها حول سياسية الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وشمال إفريقيان، تحديدًا دولتي تونس والمغرب، موضحةً أن “الاتحاد الأوروبي يقوم بتفويض إدارة الحدود إلى بلدان في شمال إفريقيا، وأن اللاجئين والمهاجرين الآخرين يدفعون الثمن في النهاية”.
وأكدت المنظمة أنه على البلدين “تحمل المسؤولية عن أنظمة الهجرة واللجوء الخاصة بها التي لم يتم إصلاحها والتي مرّ عليها الزمن”.
اليوم بعد عودة الحياة لطبيعتها بالمدينة، يتجول المهاجرون في أزقتها، يبيعون سلعهم، يقفون على نواصي الشوارع ينتظرون فرصة عمل بالبناء أو غيره، ينظفون سيارات الميسورين ويمارسون التسول في تقاطع الطرقات، لكن تلك الظروف التي مروا بها العام الماضي؛ لا زالت جراحًا في ثنايا المشاعر ومآسي موشومة في الذاكرة غلاغل الذاكرة.

لا لقاح

لا جدال في أن المغرب متقدم في برنامج التطعيم ضد فيروس كورونا، لكن المهاجرين غير النظاميين ليسوا جزءًا من خططه.
ووفق المعطيات التي تم جمعها من مصادر طبية وأخرى حقوقية، فإن الذين تلقوا اللقاح هم “المهاجرون الحاصلون على بطائق الإقامة”.
وردا على سؤال حول المخاطر التي قد يشكلها عدم تطعيم المهاجرين غير النظاميين، قال مصدر من وزارة الصحة، تحفظ على ذكر هويته “إنه لا يوجد حتى الآن قرار رسمي بهذا الشأن”.
وأكد المصدر على أنه تم تطعيم “عشرات الآلاف من المقيمين الأجانب بشكل قانوني”.
وعلى الرغم من أن السلطات المغربية منحت الإقامة لأكثر من 50 ألف مهاجر منذ العام 2013، ينحدرون من دول جنوب الصحراء، إلا أن عددًا كبيرًا منهم لا يزال بدون أوراق رسمية.
منظمة “أوكسفام”، وفي دراسة لها حول وضع المهاجرين غير النظاميين، تطرقت إلى حقوق المهاجرين في الصحة، وأنه يجب على الدول أن تضمن “الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية الهادفة لتحسين الوصول إلى الصحة بطريقة مستدامة”.
وشددت على ضرورة “بلوغ المساعدة إلى من هم في أمس الحاجة إليها، دون تمييز على أساس الجنس أو النوع أو الإعاقة أو الجنسية أو الوضع”.

عبدو ماتي، (39سنة)، كبير المهاجرين السينغاليين بالعيون
عبدو ماتي، (39سنة)، كبير المهاجرين السينغاليين بالعيون

وفي المقابل، يحث عبدو ماتي، (39سنة)، كبير المهاجرين السينغاليين بالعيون، السلطات على إدراج المهاجرين غير النظاميين في خطط التلقيح “نعيش جميعًا في فضاء واحد ونركب وسائل النقل ذاتها، الحافلات وسيارات الأجرة نفسها ونذهب إلى نفس المطاعم والأسواق”.

هذا الانتاج تم انجازه في إطار “منحة صحافة الهجرات” المنظمة من طرف الشبكة المغربية لصحفيي الهجرات (RMJM).

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.