بقلم : بدر الزروالي
يا رئيس، سنفصل في هذا المقال، الحديث عن الريع الحقيقي؛ ذلك الريع الذي يُستحضَر كثيرًا في الخطاب، لكنه يغيب حين يتعلق الأمر بالممارسة الفعلية داخل الحقل المسرحي.
فرئيس اللجنة الذي يتحدث عن الريع، مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن يوضح موقعه من هذا النقاش.
فهل حان الأوان لإحداث قطيعة حقيقية مع الريع؟
لقد سبق لهذا الرئيس أن شغل منصب الكاتب العام داخل النقابة المغربية للفنون الدرامية، وكان في صلب الصراع الذي دار بينها وبين الوزارة حول التنزيل الحقيقي لقانون الفنان الذي صادق عليه مجلس النواب.
غير أن الوسط المسرحي فوجئ باستقالته من هذا المنصب، واصطفافه لاحقًا إلى جانب الوزارة، مقابل ثمن أصبح معلومًا: منصب أستاذ لمادة الإلقاء بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي.
هذا التعيين فتح نقاشًا واسعًا في الأوساط المسرحية، حيث اعتبره كثيرون منصبًا «مفصّلًا على المقاس»، في ظل غياب معايير واضحة وشفافة تضمن تكافؤ الفرص. وقد عبّر عدد من المسرحيين، بسخرية لاذعة، عن هذا الاستياء من خلال تعليقات مفادها أن الوزارة لم يبقَ لها سوى إدراج اسم هذا الرئيس ضمن شروط اجتياز المباراة، في إشارة ناقدة إلى ما اعتُبر تحيزًا واضحًا يمسّ بمبدأ الاستحقاق.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تواصلت مظاهر الريع التي استفاد منها هذا الرئيس، وأولها احتكار الإخراج لجميع عروض «نوستالجيا». وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة، خاصة في ظل مطالبة عدد من المسرحيين بضرورة فتح المجال أمام مخرجين مسرحيين آخرين معروفين بكفاءتهم وتجاربهم، بما يسمح بتعدد الرؤى الفنية وإغناء التجربة الإبداعية – أليس هذا ما تقوله في السينما- بدل حصر المشروع في تصور واحد يحدّ من إمكانات التطوير والتجديد.
وتجلّت ما يُقدَّم على أنه «عبقرية» الرئيس، حين كان يشتغل على عرض «نوستالجيا» بمدينة العيون، تزامنًا مع احتفالات الشعب المغربي بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، وفي الوقت نفسه يتولى إخراج حفل آخر بمسرح محمد الخامس بالرباط، برعاية الوزارة، وبإخراج عن بُعد، مقابل ملايين الدراهم التي نعلم كيف يتم تقسيمها. وهو معطى فتح، ولا يزال، باب التساؤل حول معايير التعاقد، وحدود الجمع بين مشاريع متزامنة، ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص داخل المشهد الثقافي والفني.
وإذا أضفنا إلى ذلك تعدد المهام التي يشغلها هذا الرئيس، تتضح الصورة أكثر؛ إذ إنه:
* عضو في المجلس الإداري لمسرح محمد الخامس؛
* وعضو مشرف و مؤثر في انتخابات مكتب حقوق المؤلف؛
* فضلًا عن كونه مستشارًا غير معلن لوزير الثقافة، يُقترح من خلاله، أو عبره، أعضاء لجنة الدعم المسرحي.
وهي أدوار متداخلة تطرح، مرة أخرى، أسئلة جوهرية حول تضارب المصالح، وتركيز القرار، وحدود الفصل بين التدبير والإبداع. وهي أسئلة لا ينبغي أن تُواجَه بالتخوين أو الهجوم، بل بإجابات واضحة وشفافة.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال النقاش الذي شهده المهرجان الوطني للمسرح في دورته الأخيرة حول المسرحية التي قام السيد الرئيس بإخراجها في إطار تكوين طلبة المعهد. إذ فوجئ الجميع بإحداث إطار خاص للعرض المسرحي، وخروجه من نطاق التكوين إلى عرض احترافي، وهي سابقة في تاريخ المهرجان. ورغم ذلك، حصل العرض على جائزة الأمل من لجنة المسابقة، كما نال مخرجه جائزة أحسن إخراج، وهو ما عمّق الإحساس باتساع نفوذ هذا الرئيس.
وبعد استعراض هذه الوقائع مجتمعة، يتبيّن أن الحديث عن الريع لا يمكن أن يظل خطابًا عامًا أو شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل مسؤولية أخلاقية تقتضي أولًا مساءلة الممارسة قبل إدانة الآخرين.
فالريع الحقيقي لا يكمن فقط في الدعم المباشر، بل يتجلى أيضًا في الدعم المالي الخفي و في احتكار الفرص، وتراكم المواقع، وتداخل الأدوار، وتوجيه القرار الثقافي من موقع النفوذ لا من منطق الاستحقاق.
وعليه، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا، وبإلحاح:أين هو الريع الحقيقي، يا رئيس اللجنة؟
من كان بيته من زجاج، فلا يرمي الناس بالحجارة.