تسريبات الحكم الذاتي: بين نضج الهندسة المؤسسية ومأزق التمثيل القبلي

0 42

 

 

بقلم: محمد الغيث ماء العينين

 

لا يمكن منهجياً التعامل مع ما نُشر أخيراً حول تفاصيل موسعة لمقترح الحكم الذاتي باعتباره وثيقة رسمية نهائية، فالتسريبات بطبيعتها انتقائية، وقد تعكس صيغاً في طور التطوير. ومع ذلك، فإن دقة التفاصيل المعروضة واتساقها المعياري يجعلان من غير الموضوعي تجاهلها.

في السياقات التفاوضية الحساسة، تؤدي التسريبات غالباً وظيفة سياسية محددة. ويمكن افتراض ثلاثة احتمالات رئيسية في الحالة الراهنة:

أولاً: أن تكون أداة ضغط غير مباشر على الأطراف المعنية عبر عرضها أمام الرأي العام.

ثانياً: أن تشكل وسيلة لاختبار ردود الفعل وقياس مدى تقبل بعض الصيغ المقترحة.

ثالثاً: أن تمهد تدريجياً للانتقال من مرحلة الإطار العام إلى مرحلة ضبط التفاصيل التنفيذية.

أياً يكن الدافع، فإن ما يميز دور النخب في مثل هذه اللحظات هو القراءة الجدية، وتقديم تحليل متوازن، وإبراز النقاط التي تستحق التعزيز أو المراجعة، بما يخدم استدامة الحل لا لحظة اعتماده فقط.

أولاً: ما يعكس نضجاً مؤسسياً واضحاً

المعطيات المسربة تعكس انتقال المقترح المغربي من صيغة سياسية عامة إلى هندسة معيارية دقيقة:

• توزيع حصري واضح للاختصاصات السيادية؛

• تحديد تفصيلي لاختصاصات الجهة؛

• آليات رقابة دستورية؛

• انضباط مالي وتنسيق ماكرو-اقتصادي؛

• رقابة مزدوجة على الاستثمارات الأجنبية؛

• منع أي ممارسة دبلوماسية موازية؛

• إدماج دستوري محصن مع بند عدم المساس.

هذه العناصر تؤكد انسجاماً واضحاً مع تصور محدد للسيادة:

سيادة صلبة في مرجعيتها وثوابتها ووحدتها، ومرنة في ممارستها وتنظيمها الداخلي للصلاحيات.

وهو تصور ينسجم مع منطق الدولة الوحدوية الحديثة التي تبتكر في أساليب التدبير دون أن تعيد فتح النقاش حول جوهر السيادة ذاته.

من هذه الزاوية، يمكن القول إن المقترح – في بنيته العامة – يعكس انتقالاً من إدارة نزاع إلى بناء نظام مؤسساتي قابل للحياة.

لكن نجاح أي نظام لا يُقاس فقط بدقة نصوصه، بل بقدرته على إنتاج استقرار مستدام.

ثانياً: التمثيل القبلي وإشكالية الضبط البنيوي

من بين النقاط التي تستوجب وقفة تحليلية دقيقة، ما ورد بشأن تمثيل “القبائل الصحراوية المعترف بها” داخل البرلمان الجهوي.

الإشكال هنا لا يتعلق بحماية الخصوصية الحسانية، فهذه مسألة محسومة ثقافياً ومؤسساتياً، بل يتعلق بتحويل القبيلة إلى قاعدة تمثيل سياسي رسمي.

سبب فشل تحديد الهوية في المسار الأممي كان بنيوياً لا تقنياً.

فقد ارتبط تعريف “الصحراوي” بالانتماء القبلي، وهو معيار اجتماعي–تاريخي متحرك يصعب ضبطه بمعايير إدارية وقضائية صارمة.

إدخال القبيلة إلى هندسة التمثيل البرلماني يعيد إنتاج الإشكال ذاته في سياق جديد.

فالبرلمان يحتاج إلى قواعد دقيقة:

من يمثل؟
من يحق له الانتخاب داخل كل قبيلة؟

ما معيار الأهلية؟

كيف يُحسم النزاع حول الانتماء؟

أي توزيع قبلي للمقاعد سيصطدم بجدارين واضحين:

الأول: غياب معيار عددي موثوق.
المساواة بين القبائل ستثير اعتراض من يعتبر نفسه أكبر عدداً،

والتوزيع بحسب الحجم يتطلب إحصاء قبلياً، وهو ما تعذر سابقاً وأدى إلى انسداد المسار الأممي.

الثاني: التناقض المنطقي.

الحكم الذاتي جاء بديلاً عن استحالة الحسم في الهوية القبلية كمعيار سياسي.

فإذا أصبحت القبيلة أساس تمثيل مؤسسي، نكون قد عدنا عملياً إلى نقطة التعذر ذاتها.

ثم هناك بعد ديمغرافي لا يمكن إغفاله.

المعطيات المنشورة سابقاً تشير إلى أن الساكنة ذات الأصول الصحراوية لا تمثل اليوم الأغلبية المطلقة داخل الأقاليم الجنوبية.

فكيف يمكن ضمان ألا يُفهم أي ترجيح تمثيلي قبلي على أنه تفاوت في الوزن السياسي بين مواطنين متساوين دستورياً؟

التوازن المطلوب دقيق:

حماية الخصوصية دون تحويلها إلى معيار فرز سياسي دائم،
وتكريس المواطنة المتساوية دون إضعاف الطابع الثقافي المميز للمنطقة.

الاستدامة هنا لا تتحقق بإرضاء الرموز، بل ببناء معادلة تمثيلية لا تولّد نزاعات جديدة في اليوم الأول من تطبيق النظامية.

ثالثاً: آلية نزع السلاح وضيق هامش المناورة

من النقاط اللافتة كذلك ما يتعلق بآلية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مقرونة بعفو مقنن يستثني الجرائم الخاضعة للقانون الدولي.

هذه الصيغة ليست تقنية فقط، بل سياسية بامتياز.

فهي من جهة تفتح باب الاندماج ضمن منطق مصالحة منظمة،
ومن جهة أخرى تربط هذا الاندماج بإطار قانوني دولي واضح.

في السياق الدولي الراهن، ومع تصاعد النقاش داخل مؤسسات أمريكية حول توصيف جبهة البوليساريو، فإن الزمن لا يعمل بالضرورة لصالح من يراهن على إطالة أمد الانتظار.

فإذا تطور مسار التصنيف في اتجاه قانوني معين، فإن القيادات المعنية قد تجد نفسها أمام معطيات جديدة أكثر تعقيداً.

من هنا، تبدو آلية العفو المقنن، المشروط باستثناء الجرائم الدولية، صيغة تحمل في طياتها فرصة ومسؤولية في آن واحد:

فرصة لتسوية منظمة،
ومسؤولية لقراءة التحولات الدولية بدقة.

خاتمة: من لحظة التفصيل إلى امتحان الاستدامة

التسريبات، بصرف النظر عن دوافعها، تكشف أننا دخلنا مرحلة لم يعد فيها النقاش نظرياً حول جدوى الحكم الذاتي، بل عملياً حول كيفية هندسته.

في بنيته العامة، يعكس المقترح نضجاً مؤسسياً واضحاً وانسجاماً مع تصور سيادي متماسك.

غير أن الاستدامة الحقيقية لن تُحسم في توزيع الاختصاصات أو في ضبط النصوص فقط، بل في القدرة على بناء تمثيلية عادلة، وحماية الخصوصية دون احتكار، وإدارة الانتقال السياسي دون خلق اختلالات جديدة.

الحكم الذاتي ليس لحظة توقيع، بل نظام طويل الأمد.

وكل تفصيل فيه، مهما بدا تقنياً، قد يتحول إلى عامل استقرار أو إلى نقطة توتر.

وفي هذه اللحظة الدقيقة، يصبح التفكير في ما بعد الحسم هو الشرط الأول لنجاح الحسم ذاته.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.