في لغة المصالح الدولية، تُقاس نجاعة الدبلوماسية بما تحمله في حقيبتها من مكاسب مادية لا بما تحرزه من ألقاب شرفية، إلا أن مخرجات اجتماع اللجنة الدولية للمحافظة على تونة الأطلسي (ICCAT) الأخير بإشبيلية كشفت عن شرخ عميق بين الطموح الشخصي للمسؤولين وبين السيادة الاقتصادية للمملكة.
فبينما كانت المنصات الرسمية تسوق لصورة زكية الدريوش كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري وهي تتسلم منصب الرئاسة بضحكات عريضة ملأت القاعة احتفالاً بـ “الإنجاز التاريخي”، كان الواقع المرير يُطبخ في كواليس التفاوض؛ حيث يبدو أن تلك الابتسامات والاحتفالات كانت “الثمن” الذي قدّمه المغرب من ثرواته السمكية مقابل ضمان هذا الكرسي البروتوكولي، في عملية مقايضة صامتة جعلت الموقف المغربي يميل إلى الليونة المفرطة لتجنب أي صدام قد يعرقل مسار التصويت لمرشحة الإدارة.
لقد تجلى هذا الإخفاق المغربي بوضوح في المقارنة الصادمة مع الجانب الجزائري؛ ففي الوقت الذي انشغلت فيه زكية الدريوش وفريقها بمراسم التتويج وحشد الأصوات وتلميع الصورة الشخصية، كانت الجزائر تمارس واقعية سياسية شرسة مكنتها من انتزاع زيادة تاريخية في حصتها بلغت 437 طناً إضافياً، لترفع حصتها الإجمالية إلى 2,460 طناً سنوياً، بينما ظل المغرب يراوح مكانه مكتفياً بفتات الحصص.
هذا الفارق الشاسع في النتائج يثبت أن الجار استثمر في “لغة الأرقام”، بينما استثمر المغرب في “لغة البروتوكول” وضحكات النصر الشخصي، وهو ما جعل المملكة تخرج من المعركة بلقب شرفي وصورة تذكارية، وتخرج الجزائر بصيد ثمين يعزز اقتصادها وأمنها الغذائي.
إن هذا “التفريط الممنهج” في حقوق المغرب التاريخية من الذهب الأزرق يزداد غرابة حين نعلم أن التقارير الميدانية والمهنية في السواحل المتوسطية تؤكد وجود وفرة هائلة في سمك التونة أصبحت تهدد التوازن الإيكولوجي والأصناف السمكية الأخرى، ومع ذلك آثرت الإدارة الوصية “التعامي” عن هذه المعطيات العلمية والتقنية الوطنية حتى لا تزعج الشركاء الدوليين وتخاطر بمنصب الرئاسة.
لقد تحولت التونة في عهد الدريوش من ثروة وطنية وقوة تفاوضية إلى مجرد “عملة صعبة” استُخدمت لشراء الوجاهة الدولية وتلميع السير الذاتية، في وقت كان فيه الصياد المغربي، خاصة في قطاع الصيد التقليدي والساحلي، ينتظر إنصافه وانتزاع حصص تخفف عنه وطأة الإقصاء والشروط التقنية التعجيزية التي تخدم المحظوظين الموالين لها من الحيتان الكبيرة فقط.
وفي نهاية المطاف، سيذكر التاريخ المهني لقطاع الصيد البحري أن رئاسة (ICCAT) بعباءة مغربية كانت بمثابة “انتصار فارغ” كلف الدولة آلاف الأطنان من الثروة الضائعة وملايين الدولارات من العملة الصعبة.
إن تلك الضحكات التي أطلقتها زكية الدريوش وهي تتسلم المنصب قد تكون نابعة من فرحة بلقب شخصي، لكنها تركت خلفها غصة لدى آلاف البحارة الذين رأوا في هذا المشهد مقايضة غير متكافئة؛ فالسيادة الحقيقية لا تُبنى فوق الكراسي الدوارة في قاعات الاجتماعات الفخمة، بل تُنتزع في عرض البحر بحماية أرزاق البحارة وتأمين حق الأجيال في ثرواتهم، وهو ما ضاع في غمرة الانشغال بالشكليات والمناصب التي جعلت المغرب يربح “الصورة” ويخسر “الثروة”.