تتصاعد في المشهد الراهن أصوات تنادي بضرورة إحداث قطيعة جذرية مع الحقبة التدبيرية لكاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، معتبرة أن استمرارها في هرم المسؤولية لم يعد يمثل استمرارية للمرفق العام بقدر ما بات يجسد حالة من “الإفلاس الاستراتيجي” التي عصفت بمقدرات القطاع.
ويرى مراقبون أن زمنها السياسي قد استنفد تماماً بعدما تحولت إدارتها إلى مجرد آلية لتكريس سياسة “الأمر الواقع” وتجاهل تقارير الرقابة الصادمة، مما جعل رحيلها والتحاقها بمسار “عرابها” السياسي عزيز أخنوش مطلباً وطنياً لإنهاء منظومة “الوعود الجوفاء” التي لم تورث المغاربة سوى المحدودية في الإنجاز وتعميق الأزمات الهيكلية.
ويأتي التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات للفترة (2024-2025) ليضع مجهر الرقابة على جسد هذا التدبير، كاشفاً عن غياب تام للرؤية الواضحة واستمرار عبثي في الارتجالية، حيث إن ضياع 35% من الثروة السمكية الوطنية بسبب الصيد غير القانوني يمثل إدانة صريحة لشلل آليات الرقابة التي تشرف عليها الدريوش، ودليلاً قاطعاً على أن الاستغلال المفرط للمصايد قد تحول إلى “إعدام اقتصادي” ممنهج للفرص التنموية وللقدرة التنافسية للمستثمرين.
ولم يعد هذا النقد حبيس التقارير التقنية، بل تحول إلى صرخة مدوية تحت قبة البرلمان وفي أوساط المهنيين الذين أجمعوا على أن السياسات المتبعة لا تخدم سوى فئة ضيقة من كبار المضاربين ، في حين تبقى المبادرات الاستعراضية، من قبيل حملات “حوت بثمن معقول”، مجرد واجهة تضليلية تهدف لتصريف مخزونات السمك المجمد لصالح اللوبيات المهيمنة (لفراقشية)، في امتثال واضح لعقيدة المصالح التي تقتات على خيرات البحر.
إن العقود الثلاثة التي قضتها الدريوش في دواليب الوزارة لم تسفر، حسب منتقديها، إلا عن حالة من الركود وتحويل “كتابة الدولة” إلى ملحقة لهولدينغات الريع تنفذ أجنداتهم الضيقة، بل إن الطموحات الشخصية في المؤسسات الدولية، والتي تسببت في هدر حقوق المغرب في حصص التونة الحمراء، تُعد تفريطاً غير مقبول في السيادة البحرية.
واليوم، تبرز ضرورة ملحة لإخضاع نتائج برنامج “المغرب الأزرق” لمحاسبة دقيقة، لاسيما وأنه سار على خطى “المغرب الأخضر” في تبذير الموارد المالية خلف شعارات رنانة لم يجد لها الممارسون في الموانئ أثراً سوى التهميش والفقر.
إن استمرار هذا الوضع رغم الحصيلة الصفرية يكرس لسياسة الإفلات من العقاب، ويجعل من رحيل الدريوش ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الثروة الوطنية وفتح الباب أمام دماء جديدة قادرة على تصحيح مسار قطاع أهلكته الأطماع والسياسات الفاشلة.