هروب إلى الأمام: زكية الدريوش تجمع مناديب الصيد لتغطية إرث 30 عاما من التخريب الممنهج
في خطوة يراها مراقبون ومختصون في الشأن البحري مجرد محاولة لامتصاص الغضب المتصاعد، استدعت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، مناديب الصيد بمختلف المندوبيات الساحلية لاجتماع عقد صباح اليوم الاثنين 16 فبراير 2026.
ورغم محاولات الإدارة إضفاء طابع “النجاعة والحكامة” على هذا اللقاء، إلا أن الواقع الميداني والمهني يشي بأننا أمام فصل جديد من فصول “ذر الرماد في العيون”، حيث تختزل أزمات قطاع استراتيجي في تعليمات إدارية لموظفين لا يملكون من أمر القرار شيئاً، في وقت يئن فيه القطاع تحت وطأة اختيارات تدبيرية خاطئة تراكمت على مدى ثلاثة عقود.
إن محاولة تصوير هذا الاجتماع كمنصة للإصلاح هي محاولة للقفز على “جبل الجليد” الذي يمثله ملف “السردين المجمد” ومصانع التجميد التي طالها منع التصدير مؤخراً، وهو الملف الذي فضح هشاشة التخطيط وتخبط القرار المركزي الذي تقوده الدريوش.
فمنع هذه المصانع من التصدير لم يكن مجرد إجراء تقني، بل كان طعنة في صميم التنافسية الوطنية ونتيجة طبيعية لغياب رؤية استراتيجية تحمي المستثمر والمنتوج على حد سواء، مما يعكس بوضوح كيف تدار الأمور بعيداً عن الواقع المعاش للمهنيين وبالاعتماد على قرارات فوقية تفتقر للحس الاقتصادي.
وبدلاً من مواجهة الإرث الثقيل الممتد لـ 30 سنة من تخريب القطاع واستنزاف الثروة السمكية بشكل غير مسبوق، تختار كاتبة الدولة ابمكلفة بالصيد البحري الالتفاف على الأزمة الحقيقية بلقاءات روتينية مع “مرؤوسيها” من المناديب، وهي المقاربة التي أثبتت فشلها في معالجة الاختلالات البنيوية.
فالأجدر بالوزارة، إن كانت هناك نية حقيقية للإصلاح، هو الدعوة الفورية لمناظرة وطنية وجهوية شاملة تفتح ملفات المحاسبة وتقييم الأداء الكارثي لهذه الوزارة على مدى عقود، وليس الركون إلى اجتماعات مغلقة تكرس الوضع القائم وتكتفي بجلد “الحلقة الأضعف” المتمثلة في المندوبيات الجهوية.
إن القطاع لا يحتاج اليوم إلى استعراضات بروتوكولية أو لغة خشبية تتحدث عن “استدامة المصايد” و”الرقمنة” بينما الواقع ينطق بانهيار المخزون السمكي وإفلاس الوحدات الصناعية.
إن استمرار زكية الدريوش في نهج سياسة الهروب إلى الأمام عبر تحميل المسؤولية للمناديب أو التستر خلف “التعليمات المركزية” لن يغير من حقيقة أن القطاع يحتاج إلى زلزال تدبيري يقتلع جذور الفشل التي ترسخت لسنوات، فثلاثون عاماً من التخريب لن يصلحها “اجتماع إداري” في مكاتب الرباط، بل تتطلب مكاشفة وطنية تضع حداً لسياسة التحكم التي أوصلت الصيد البحري إلى الباب المسدود.