بعد ثلاثين عاماً من “الحكمة” والتدبير الرشيد في دهاليز قطاع الصيد البحري، يحق لنا اليوم أن نرفع القبعة لزكية الدريوش، التي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخبرة الطويلة لا تعني بالضرورة توفير السردين للمواطن، بل تعني إتقان فن “صناعة القحط” في بلاد تمتد على بحرين.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المغاربة أن تمطر السماء سمكاً بأسعار معقولة، أمطرتهم الكاتبة العامة بـ “بشرى” تقنية تمنع الصيد بعد أن شبعت المطاحن من لحم السردين الرضيع.
إنها عبقرية الثلاثين عاماً التي تجعل البحر يفيض بالخيرات، بينما تفيض جيوب المواطنين بالخيبة وحرقة الأسعار.
في خطوة وصفت بأنها محاولة متأخرة جدا لترميم ما تبقى من مخزون سمكي استنزف أمام أعين الرقابة المسؤولة هي عنها، أصدرت زكية الدريوش كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري تعديلاً على المقرر الوزاري رقم 26/02-PP، ليصبح بصيغته الجديدة 26/03-PP.
هذا التعديل يقضي بفرض “هدنة” قسرية وتوقف للصيد في مصيدة الأسماك السطحية الصغيرة شمال العيون، يمتد حتى نهاية السنة الجارية.
إلا أن القراءة المهنية لهذا القرار المتأخر تكشف أنه لم يكن مجرد إجراء تقني للحفاظ على الثروة السمكية، بل جاء ليغطي على فضيحة مدوية تزامنت مع انطلاق شهر رمضان الأبرك.
فقد استباحت شباك الصيد أسراباً هائلة من سمك السردين “الرضيع” الذي لم يكتمل نموه بعد، وبدلاً من أن يوجه هذا المخزون لتأمين السيادة الغذائية للمغاربة، سيق في “طوابير الإهانة” نحو وحدات صناعة دقيق السمك، ليتحول إلى مسحوق يُسمن أرصدة اللوبيات المتحكمة في القطاع.
ويعيش القطاع مفارقة صارخة؛ فبينما تهدر ميزانيات ضخمة على برامج ترويجية تحت شعار “الحوت بثمن معقول”، يجد المستهلك المغربي نفسه أمام واقع يغيب فيه السمك عن الأسواق ويحضر بقوة في كواليس المصانع.
إن إحالة كميات ضخمة من السردين على “الطحن” في ذروة الحاجة الشعبية ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو تكريس لسياسة “الأمر الواقع” التي تفرضها جهات نافذة تستفيد من ريع البحار، تاركةً للمواطن البسيط متعة قراءة البلاغات الرسمية عوضاً عن تذوق طعم السمك.
وعلى أرض الواقع، سجلت أسواق السمك مع مطلع رمضان ارتفاعاً فاحشاً في الأسعار، حيث تراوح سعر كيلوغرام السردين بين 20 و40 درهماً، بينما قفزت أسعار الأنواع الأخرى مثل “الدبدوب، الشرغو، والميرو” إلى مستويات قياسية تتراوح بين 85 و 120 درهماً، مع ملاحظة تدنٍ حاد في الجودة ناهيك عن أنواع أخرى من الأسماك.
ويؤكد مهنيون أن هذا الوضع هو النتيجة الحتمية لسنوات من الاستنزاف الممنهج والتغطية الإعلامية التي تجمّل الواقع، حيث يتم صيد السمك الصغير “عن قصد” لغرض الطحن، بينما ترمى الأنواع الجيدة في البحر أحياناً للحفاظ على تحكم السوق في الأسعار.
ختاماً، هنيئاً لزكية الدريوش بهذا “الإنجاز” التاريخي الذي توج مساراً دام لثلاثة عقود من التسيير؛ فالمغاربة اليوم بفضل هذا التدبير العظيم، باتوا يعرفون “إحداثيات” مناطق الصيد في البلاغات أكثر مما يعرفون مذاق “السردينة” في أطباقهم.
يبدو أن المفهوم الجديد للصيد البحري في عهدكم هو أن يظل المواطن “صائماً” عن السمك حتى في غير رمضان، لكي تنعم “المطاحن” بنوم هادئ وبطون ممتلئة.
فهل يعقل أننا وبعد 30 سنة من التخطيط، ما زلنا نحتاج لـ “معجزة” لكي نجد سمكا أو سرديناً صالحاً للأكل بثمن لا يكسر ظهر الفقير؟ أم أن “الطحن” صار قدراً للمواطن والسمك على حد سواء؟