يا رئيس لجنة الدعم: كم من المشاريع السينمائية دُفنت باسم القانون؟

0 250

 

 

بقلم: السينيفيلي محمد عالي لعويسي

 

 

كم من مشروع سينمائي مغربي واعد قُبر في مهدِه داخل أروقة لجنة الدعم السينمائي، لا لضعف فني ولا لغياب رؤية، بل باسم “القانون” الذي يُفترض أن يكون ضامنًا للعدالة وتكافؤ الفرص.

مسارات سينمائية كاملة انتهت عند لحظة المرافعة أمام لجنة الدعم، حيث يكتشف أصحابها أن الاختيار كان محسومًا سلفًا، وأن النقاش لم يكن سوى إجراء شكلي.

لسنوات، كان الحديث يدور عن “التوازنات” و”الاختيارات الفنية”، لكن الواقع يؤكد أن المحسوبية وقرب بعض المنتجين من مراكز القرار ظل عاملًا حاسمًا في منح الدعم.

غير أن الأخطر، وما يثير القلق في السنوات الأخيرة، هو الانتقال من المحاباة غير المعلنة إلى الإملاء المباشر على أعضاء لجنة الدعم لاختيار مشاريع بعينها دون غيرها.

اختيارات لا تقوم على الجودة ، بل على “خدمات متبادلة”: منتجون يقدمون خدمات بحكم قربهم من مستشارين داخل الوزارة أو من دوائر النفوذ، فيتحول الدعم العمومي إلى عملة للمقايضة بدل أن يكون أداة لتطوير الصناعة السينمائية الوطنية.

لكن حين يصل الأمر إلى استغلال مسؤول رفيع لمنصبه لمنح مشروع سينمائي مقابل خدمة قدمها صحفي أو مؤثر لفائدة حزب سياسي، فإننا لا نكون أمام خلل عابر أو تجاوز فردي، بل أمام انحراف خطير يمس جوهر القطاع ويقوض مصداقيته.

هذا الوضع يفرض طرح أسئلة جوهرية: أي سينما نريد؟ وأي عدالة ثقافية نبحث عنها؟ وكيف يمكن لقطاع يُفترض أن يكون رافعة للإبداع والتعدد أن يستمر وهو رهينة الولاءات والعلاقات الشخصية؟.

الجواب واضح ومؤلم في الآن ذاته: قطاع السينما في المغرب يعاني من خلل بنيوي مخيف، خلل لا يمكن تجاوزه بالبلاغات أو الترقيعات الظرفية، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وإصلاح جذري يعيد الاعتبار للكفاءة، والشفافية، وربط الدعم بالمشروع لا بصاحبه.

فمن دون ذلك، ستظل مشاريع كثيرة تُدفن في الصمت، وستظل السينما المغربية تخسر أسماءً وأحلامًا كان يمكن أن تصنع فرقًا.

إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط مصداقية لجنة الدعم، بل يهدد مستقبل السينما المغربية نفسها.

فحين يُستسهل المجال بفعل الإغراء المالي، وتُقصى الكفاءة، وتُدفن المشاريع الجادة، تتحول السينما من فعل ثقافي إلى غنيمة، ومن صناعة إبداعية إلى مجال للعبث.

ما نحتاجه اليوم ليس لجانًا شكلية ولا قوانين تُستعمل انتقائيًا، بل شجاعة في الاعتراف بالخلل، وإرادة حقيقية لإعادة بناء منظومة عادلة، تحمي المال العام، وتُنصف المبدعين، وتعيد للسينما المغربية مكانتها التي تستحقها.

وفي خضم هذا المشهد، لا يسع المتتبع إلا أن يقف متعجبًا أمام “المعجزة السينمائية” التي أفرزت مؤخرا: منتجون ظهروا فجأة، وانتشروا بسرعة قياسية، كما ينبت الفطر بعد أول مطر، دون أن يرافق ذلك مسار مهني معروف. ومع ذلك، يبدو أنهم اكتشفوا الوصفة السرية للنجاح، وصفة لا تخطئ طريقها إلى كل دورة من دورات الدعم، حيث تحضر “غنيمتهم” من المشاريع المدعمة بانتظام لافت، سواء بشكل معلن او غير معلن في البلاغات الرسمية للجنة الدعم.

أمام هذا التواتر المدهش، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام عبقرية إنتاجية نادرة، أم أمام منظومة تعرف أسماءها جيدًا قبل أن تُفتح الملفات؟

في النهاية، يتأكد أن جزءًا من القرارات المتعلقة بالدعم السينمائي لا يُصنع داخل قاعات اللجنة ولا عبر مشاوراتها الرسمية، بل يُحسم في فضاءات غير مؤسساتية، في حانات ومجالس مغلقة بمدينة الرباط، حيث تُنسج التفاهمات وتُوزع الحصص قبل الإعلان عنها. وحين تصل الملفات إلى اللجنة المحترمة، تكون النتائج قد تقررت سلفًا، ولا يبقى سوى إخراجها في بلاغات رسمية. هنا تكمن خطورة الوضع: ليس فقط في ضياع الشفافية، بل في تفريغ دور اللجنة من معناه، وتحويلها إلى غطاء شكلي لقرارات صُنعت خارجها.

كم من مشروع سينمائي دفن في لجنة الدعم، لا لضعفه الفني أو قلة جدواه، بل لأنه لم يكن ضمن الحسابات المسبقة، أو لم يحضر على الطاولة الصحيحة في الحانات المغلقة والضيعات الخاصة لمتواطئين معهم.

مشاريع صمتت قبل أن ترى النور، بينما استمر بعض المنتفعين في حصد الدعم بسهولة، مدعومة بالإغراء المالي والاقتحام المستسهل للمجال. وهكذا، تبقى السينما المغربية الخاسر الأكبر، ما دامت المقابر أكثر اتساعًا من فرص الحياة والإبداع.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.