شيك غادر يكشف “مافيا” التصاريح الوهمية للأخطبوط المهرب بميناء بوجدور
في قلب ميناء بوجدور، حيث يفترض أن تُحمى الثروة السمكية كإرث وطني، انفجر لغم من العيار الثقيل كشف عن “ثقب أسود” يبتلع الملايين تحت غطاء الإدارة.
لم تعد القضية مجرد خروقات معزولة، بل تحولت إلى ما يشبه “الجريمة المنظمة” التي تورطت فيها رؤوس داخل مندوبية الصيد وسوق السمك، بطلها “شيك بنكي” مسحوب، وتسجيلات صوتية عبر “الواتساب” وضعت الجميع على فوهة بركان.
تبدأ فصول الفضيحة من تاريخ 14 يناير 2026، حينما تحول ميناء المدينة إلى مسرح لعمليات “تبييض” واسعة النطاق.
المعطيات الاستقصائية التي حصلنا عليها تشير إلى تنفيذ “تصاريح وهمية” (الطاكس الوهمي) لما يتجاوز 200 طن من الأخطبوط في غضون 24 ساعة فقط.
واللافت في هذا التزوير هو تدوين أثمنة تتراوح بين 60 و65 درهماً للكيلوغرام، في وقت كان فيه السعر الحقيقي في الأسواق المرجعية يتجاوز 120 درهماً؛ مما يعني تبديداً متعمداً لثروة الدولة وحقوق البحارة لشرعنة أخطبوط تم اصطياده في “المناطق المحرمة” أو تخزينه في مستودعات سرية خارج الموسم القانوني.
لكن “القشة التي قصمت ظهر البعير” لم تكن سوى شيك بقيمة 40,000 درهم، سُلّم كـ “عربون فساد” لموظف بسوق السمك مقابل تيسير هذه التصاريح الكاذبة.
الصدمة لم تتوقف عند سحب المبلغ، بل في “الفخ” الذي نصبه التاجر للموظف عبر مكالمة هاتفية مسجلة، اعترف فيها الأخير بلسانه عن شبكة توزيع الغنائم.
تسريبات المكالمة تكشف أرقاماً مهولة: 400 ألف درهم وُزعت على موظفي المندوبية، و800 ألف درهم كانت من نصيب موظفي سوق السمك في صفقة واحدة فقط، مع تهديد صريح من الموظف المتورط: “لن أسقط وحدي.. سأكشف الأباطرة الكبار إذا تم تقديمي ككبش فداء”.
ومع حلول لجنة تفتيش مركزية من وزارة الصيد البحري لمطابقة بيانات النظام الإلكتروني بكاميرات المراقبة، يسود شارع بوجدور المهني تشاؤم حذر، حيث يرى الكثيرون أن لجان الوزارة قد لا تملك الجرأة الكافية لاستئصال الورم من جذوره.
وبدلاً من ذلك، تتعالى الأصوات المطالبة بدخول الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على الخط، لفك شفرات التحويلات المالية وتفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟” في حق موظفين بمراتب إدارية دنيا (سلم 8 و9) باتوا يرفلون في ثراء فاحش، وعقارات، وسيارات فارهة لا تعكس واقع رواتبهم.
إن ما يحدث في بوجدور اليوم ليس مجرد سرقة للمال العام، بل هو ضرب لمصداقية الدولة وتقارير المكتب الوطني للصيد في العمق؛ فبناء سياسات عمومية على أرقام مزورة هو تكريس للفشل.
الكرة الآن في ملعب كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، أمام اختبار تاريخي: إما تفعيل حقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة والضرب بيد من حديد على “لوبيات التبييض”، أو الإقرار علناً بأن “سرطان الفساد” في ميناء بوجدور بات أقوى من سلطة القانون.