”لكويرة” موريتانية نهائياً.. مطلب الساعة في نواكشوط
عندما يزأر “الحمل” الوديع!
من عجائب السياسة في زمن “الصحوة الموريتانية” الجديدة، أن تستيقظ نواكشوط فجأة من سباتها “الحيادي” العميق، لتمسح عن عينيها غبار المسكنة وتطالب بصوت جهوري بنصيبها من “كعكة” الصحراء!
يبدو أن أهل موريتانيا، الذين برعوا طويلاً في فن “الرقص بين النقاط”، قرروا فجأة استبدال رداء الزهد ببدلة ميكيافيلية ضيقة، ليعلنوا للعالم بصيغة لا تخلو من الجسارة: “نحن هنا، ولكويرة لنا”.
فهل هي شجاعة مفاجئة نزلت بـ “الوحي” على بلاد شنقيط، أم أن هناك من يهمس في أذنها من وراء البحار أو من وراء الكثبان، ليقنعها بأن الوقت قد حان لتمارس دور “اللاعب الكبير” الذي يبتز الجميع ويأخذ نصيبه قبل أن تنفض المائدة؟.
يأتي هذا الرد بناءً على ما طرحه كاتب موريتاني مجهول الهوية بإيعاز من صناع القرار في بلاده تحت عنوان: (الصحراء الغربية: كيف تدافع موريتانيا عن مصالحها في تسوية تلوح في الأفق؟) والذي نشر مساء الأحد 08 فبراير الجاري في موقع “أقلام حرة”، حيث فجر قنبلة دبلوماسية بدعوته لإنهاء زمن “الحياد” بكل أشكاله.
وهذا نص مقال الكاتب الموريتاني:
مع عودة الزخم الدولي إلى ملف الصحراء الغربية، عبر رعاية أمريكية مباشرة لمسار تفاوضي جديد، واحتضان مدريد لاجتماع رباعي يضم المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، يدخل النزاع مرحلة دقيقة لا تقتصر تداعياتها على أطرافه المباشرين، بل تمتد إلى كامل التوازنات في شمال غرب إفريقيا. وفي قلب هذا التحول، تجد موريتانيا نفسها مرة أخرى في موقع معقّد؛ فهي ليست طرفًا في النزاع، لكنها الدولة الأكثر تماشياً مع نتائجه، سلباً أو إيجاباً.
طوال العقود الماضية، تبنّت نواكشوط سياسة الحياد الإيجابي، وهو خيار وفّر لها هامشاً من الاستقرار، ومكّنها من تجنّب الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة. غير أن هذا الحياد، في ظل التحركات الجارية، لم يعد كافيًا إذا لم يُدعّم بموقف استباقي واضح، يضع المصالح الموريتانية في صلب أي تسوية محتملة، بدل الاكتفاء بمتابعة ما يُقرّر في العواصم الكبرى.
أولى هذه المصالح تتعلق بالأمن، فحدود موريتانيا الشمالية تُعد مجالاً حيوياً تتقاطع فيه رهانات الاستقرار الإقليمي، والهجرة غير النظامية، والتهريب، ونشاط الجماعات المسلحة. وأي تسوية لا تتضمن ترتيبات صارمة تمنع عسكرة هذا الشريط الحدودي أو تحوّله إلى مجال فراغ أمني، ستنقل التهديد مباشرة إلى الداخل الموريتاني. لذلك، يبقى تحصين الحدود ومنع تمركز أي قوات غير نظامية قربها شرطاً أساسياً لا يمكن التفريط فيه.
وفي هذا السياق، تبرز لكويرة كعنصر مركزي في معادلة الأمن والسيادة الموريتانية؛ فهذه المدينة الساحلية، الواقعة عند أقصى الشمال، تمثل صمام أمان استراتيجي لموريتانيا. وقد شكّل الغموض الذي يلف وضع لكويرة منذ انسحاب موريتانيا من النزاع سنة 1979، عملياً حاجزاً حال دون الاحتكاك المباشر بينها وبين المغرب، وجنّب نواكشوط الانخراط في تماس سيادي حساس على أبواب نواذيبو.
ومن هنا، فإن أي تسوية مستقبلية لا تحسم وضع لكويرة بشكل واضح، أو تسمح بتغيير واقعها القائم عبر انتشار عسكري أو إداري أحادي، ستُبقي النزاع مفتوحاً بشكل مقنّع، وتخلق لموريتانيا إشكالاً أمنياً دائماً على واجهتها الأطلسية. ذلك أن لكويرة تمثل عقدة ينبغي تفكيكها عبر نصوص صريحة وضمانات دولية تحمي الوضع القائم، وتمنع تحويلها إلى ورقة ضغط في أي صراع إقليمي لاحق.
اقتصادياً، لا تقل رهانات التسوية خطورة؛ فإعادة تشكيل الخريطة السياسية للصحراء الغربية قد تفرز منافسة غير متكافئة بين الموانئ والممرات التجارية في المنطقة. وفي حال لم تُؤخذ المصالح الموريتانية بعين الاعتبار، قد تجد نواكشوط نفسها أمام تهميش تدريجي لدور ميناء نواذيبو، لصالح موانئ أطلسية تُضخ فيها استثمارات دولية كبرى. لذلك، يتعين على موريتانيا أن تطالب بإدماجها في أي مشاريع اقتصادية إقليمية عابرة للحدود، بدل أن تبقى مجرد متلقٍ لنتائجها.
أما سياسياً، فإن احترام الحدود الموريتانية المعترف بها دولياً يجب أن يُكرّس كخط أحمر غير قابل للتأويل. فقد أثبتت التجارب الإقليمية أن الغموض القانوني، حتى وإن بدا مؤقتاً، يتحول مع الزمن إلى مصدر توتر دائم، يُستدعى كلما تبدلت موازين القوى. ومن مصلحة موريتانيا أن تُغلق هذا الباب نهائياً، عبر ضمانات مكتوبة واضحة لا لبس فيها.
وفي إدارة علاقاتها مع الأطراف المعنية، تحتاج نواكشوط إلى دبلوماسية دقيقة ومتوازنة. فمع المغرب، يبقى الاستقرار مصلحة مشتركة، شريطة ألا يترتب عليه تغيير في وضع مناطق حساسة مثل لكويرة. ومع البوليساريو، يظل الحوار ضرورياً، لكن دون السماح بتحويل الأراضي الموريتانية أو حدودها إلى أدوات في صراع لم تختره.
أما الجزائر، فإن التنسيق معها ينبغي أن يقوم على قاعدة واضحة مفادها أن استقرار موريتانيا ليس ورقة تفاوض في صراعها الاستراتيجي مع الرباط.
في المحصلة، لا ينبغي لموريتانيا أن تنشغل بسؤال من سيخرج منتصراً من نزاع الصحراء الغربية، بقدر ما يجب أن تفرض سؤالها الجوهري: كيف تضمن أن أي تسوية، مهما كان شكلها، لن تُنتج تهديداً جديداً على حدودها، أو عبئاً اقتصادياً، أو تماساً سيادياً غير محسوب؟.
والنجاح الحقيقي لنواكشوط في هذه المرحلة هو أن تخرج من هذا المسار أكثر أمناً واستقراراً، بعد أن تكون قد نجحت في تحويل موقعها الجغرافي من هامش متأثر بالقرارات، إلى عنصر توازن لا يمكن تجاوزه في أي حل دائم.
وقد أكد الكاتب أن التطورات الدولية برعاية واشنطن واجتماعات مدريد حول ملف الصحراء تفرض على موريتانيا أن تكون “فاعلاً” لا “مفعولاً به”.
وشدد الكاتب في طروحاته على أن “لكويرة” ليست مجرد أرض مهجورة، بل هي “صمام أمان استراتيجي” وعقدة ينبغي تفكيكها عبر انتزاع نصوص صريحة تضمن السيادة أو الإدارة الموريتانية لها، محذراً من أن أي تجاوز لمصالح نواذيبو الاقتصادية أو أمن الحدود الشمالية سيحول النزاع إلى تهديد مباشر للداخل الموريتاني.
هذه “الجرأة” في الطرح هي التي فتحت الباب لقراءة الأبعاد الخفية خلف هذا التحول.
فخلف سطور الكاتب الموريتاني، تبرز مصالح دولية تحرك هذه البوصلة.
ربما باريس تسعى لزرع “وتد” موريتاني في لكويرة لضمان عدم انفراد المغرب بالسيطرة على الواجهة الأطلسية، مما يبقي فرنسا حكماً ضرورياً في المنطقة.
وربما للامارات رغبة في تحويل لكويرة ونواذيبو إلى منطقة لوجستية كبرى تحت غطاء سيادي موريتاني، مما يمنح أبوظبي نفوذاً بحرياً ممتداً فلديها هوس بالسيطرة على الموانئ.
إن تبني مقترحات الكاتب الموريتاني بضم لكويرة أو فرض واقع جديد فيها يحمل مخاطر جسيمة:
فإصرار موريتانيا على لكويرة قد ينهي “اتفاق السلام 1979” مع جبهة البوليساريو فعلياً، مما يفتح جبهة المواجهة معها.
أي تحرك أحادي سيجابهه المغرب بإغلاق “الكركرات”، وهو ما يعني حصاراً فورياً لأسواق نواكشوط تتبعها عملية عسكربة جراحية جوية وبحرية تنهي أحلام موريتانيا في لكويرة إلى الأبد.
انشغال الجيش الموريتاني ب “لكويرة” قد يضعف الرقابة على الحدود مع مالي، مما يفتح الثغرات أمام الجماعات الإرهابية.
وهذا سيناريو تخيلي يحاكي الوضع ان استجابت الحكومة الموريتانية لنداء الكاتب ورفعت العلم فوق لكويرة غداً:
بعد ساعة واحدة: استنفار عسكري مغربي شامل وتوتر دبلوماسي حاد.
بعد 6 ساعات: توقف إمدادات الغذاء عبر الحدود البرية، وبداية أزمة معيشية في موريتانيا.
بعد 12 ساعة: ضغوط دولية هائلة لإعادة “الوضعية السابقة”، وترك موريتانيا وحيدة في مواجهة تبعات مغامرتها.
بعد 18 ساعة: بلاغ صادر عن قيادة الجيش الملكي المغربي شبيه بالبلاغ السعودي للامارات في اليمن.
بعد 24 ساعة : نزع الاعلام ورموز السيادة و إجلاء فوري للمدنيين والعسكريين الموريتانيبن من لكويرة وصدور بيان بالانسحاب التكتيكي.
وفي نهاية المطاف، لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة لهذا العملاق “موريتانيا” الذي استفاق فجأة بفضل تنظيرات كتابه ليطالب بنصيبه من الغنيمة، وكأن العالم كان ينتظر “كلمة السر” من نواكشوط ليحل معضلات التاريخ.
إنه لمن المضحك المبكي أن نرى موريتانيا، التي بالكاد تحرس شواطئها من قوارب الهجرة، تتقمص دور “المايسترو” الإقليمي الذي يملي الشروط ويضع الخطوط الحمر حول “لكويرة”.
يبدو أن “الميكيافيلية” الموريتانية الجديدة، التي بشر بها كاتب “أقلام حرة”، ليست سوى محاولة لارتداء حذاء سياسي أكبر من مقاس نواكشوط بكثير.
فبينما يظن القائمون على هذا الطموح أنهم يمسكون بخيوط اللعبة بين باريس وأبوظبي، قد يكتشفون قريباً أنهم مجرد “كومبارس” في مسرحية كبرى، حيث يتم استخدامهم كفزاعة مؤقتة قبل أن تُوزع الكعكة الحقيقية بين الكبار.
فعلى أهل نواكشوط ألا يفرطوا في أحلام اليقظة، فالتاريخ علمنا أن من يقفز فوق قامته غالباً ما يسقط على رأسه، وأن “لكويرة” التي يظنونها جائزة كبرى، قد لا تكون في النهاية سوى سراب صحراوي يتبخر بمجرد أن تشرق شمس الصفقات الحقيقية بين الكبار.