Atlas

حرب الصحراء الغربية الثانية.. بين قعقعة السلاح وصمت المغرب

 

ترجمة “الصحراء أنتليجنس”

تنطلق صواريخ غراد سوفيتية الصنع من عيار 120 ملم، نحو وجهتها، وبعد بضع ثوان يعلوا دوي الانفجار؛ سقطت مقذوفتين أطلقتها وحدة من جيش البوليساريو، “جيش التحرير الشعبي الصحراوي”، قبل غروب الشمس بشكل كامل في منطقة المحبس شمال ما يسمى بـ”الأراضي المحررة” بالمنطقة العسكرية السادسة لهذه المنظمة التحررية التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.

النيران من جهتي الجدار

يظهر انفجار القنابل على بعد دقيقة واحدة من إطلاقها، على بعد حوالي خمسة أميال، ويبدأ عمودان من الدخان في الارتفاع في أفق السماء ورمال الصحراء، ومن المفترض أن يكونوا قد سقطوا على الجدار الدفاعي الذي بدأ المغرب ببنائه في الثمانينيات في مواجهة التوغلات الصحراوية المتكررة إبان حرب الصحراء الأولى، وربما تكون سقطت وراء ذلك.

“لا يهم كثيرًا إذا كانوا قد وصلوا إلى الهدف، فالمهم بالنسبة لجبهة البوليساريو هو أن الصحافة الدولية تستطيع أن ترى لأول مرة منذ عام تقريبًا أن الهجمات موجودة فعلا وأنه يتم الرد عليها من المغرب”، يقول تقرير أعده مبعوث صحيفة “بوبليكو” الإسبانية، لتغطية معارك الصحراء الثانية، -تقدمه “الصحراء أنتليجنس” مترجمًا للعربية كما هو.

وبعد بضع دقائق، كان عدد تفجيرات المدفعية المغربية أكبر بكثير؛ إذ عليهم أن يواجهوا الهجوم المنسق والمتزامن لوحدتين صحراويين صغيرتين أخريين متمركزين على بعد ثلاثة وأربعة كيلومترات على التوالي.

ويُنظر إلى المدفعية المغرب على أنها أقرب، ويصدر الضابط الصحراوي، المقاتل المخضرم باعلي حمودي، أمرًا بالابتعاد والعودة إلى المركبات، غير مبالٍ بوجود مجموعة الصحفيين، فقد انتهت عملية اليوم.

وكل ما عليه فعله الآن هو العودة إلى أي مكان في الصحراء، والدعاء، حتى لا تحلق الطائرات الدرون المغربية فوق سيارات لاندروفر القديمة الصدئة التي يستعملها مقاتلو البوليساريو، والتي تتحرك بدون أضواء في الظلام، وتتجنب الحجارة والكثبان الرملية في الأراضي القاحلة الشاسعة بالصحراء الغربية.

وبعد القصف القصير، أوضح حمودي أن هذا هو أكثر ما ينفذه جنود الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية؛ بشكل متكرر منذ 13 نوفمبر العام الماضي، حيث خرقت جبهة البوليساريو وقف إطلاق النار المتفق عليه مع المغرب في عام 1991.

 

وبعد ما يقرب من عام من العودة إلى القتال، في صمت إعلامي وسياسي كامل، تريد البوليساريو إثبات أن الحرب ليست فقط مئات البلاغات التي أصدرتها في هذه الأشهر، بل هي حقيقية، حتى لو لم يتم إدراكها، وحتى لو كان الأمر لا يبدو كذلك.

وهذه هي المرة الأولى التي يمكن فيها للصحافة المستقلة – مع غياب وسائل الإعلام العامة كـ”RTVE” ووكالة “Efe”- أن تشهد هجومات البوليساريو، المتقطعة والواسعة؛ تمتد من الشمال إلى الجنوب على أكثر من 2000 كيلومتر من الجدار.

كان المغرب يزرع الألغام ويقوي جداره العازل، بينما تضاءلت احتمالات إجراء استفتاء تقرير المصير؛ الذي طال انتظاره، وبعد ما يقرب من ثلاثة عقود من الهدوء المتوتر وغير المثمر للاجئي الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، تحاول البوليساريو فرض تغيير في الطريقة التي نهجتها طول فترة السلم، معلنةً أنه لا ينبغي أبدا أن يتوقف الكفاح المسلح.

وتقول البوليساريو إنها تحاول إيقاظ اللامبالاة الدولية التي غطت قضية الصحراء، في وقت تصل فيه التوترات بين المغرب والجزائر ذروتها، الحليف الصحراوي الأبدي، البلد الذي أعطاهم قطعة من الصحراء لينصبوا عليها خيامهم بعد اجتياح المغرب.

الشباب والحرب

مخيمات اللاجئين الصحراويين، مبنية بالفعل من الطين والطوب، ويعيش فيها جيل لم يعرف الحرب، لكنهم ينشدونها، فقلة هم الذين لا يزالون قادرين على التفكير في مستقبل مقبول، “لقد نشأنا كلاجئين، وأسرنا مشتتة بين اللجوء وفي الأراضي المحتلة” يقول أحدهم. “كشاب صحراوي، شعرت أن لدي مسؤولية أخلاقية وواجب وطني… شعبي في حالة حرب ولم أتردد في المشاركة “، يضيف عمر، الذي يبلغ من العمر 32 عامًا وبعد فترة من الدراسة في كوبا وأخرى في ليبيا، جعلته نهاية وقف إطلاق النار يدرس في الجزائر. التحق بالتدريب العسكري لأشهر، وها هو يحمل سلاحه “AK-47″بكل فخر، وينتظر منحة دراسية أخرى لدراسة الهندسة في روسيا، وإذا حصل على منحة ولم يُجرح أو “يستشهد”، فسوف يترك الجيش للعودة إلى الدراسة.

الالتحاق بجبهات القتال ليس إلزاميًا، ولا ينقص المتطوعون، لدرجة أن المدرسة العسكرية اضطرت إلى إعادة التكيف مع أعداد المتطوعين؛ من أجل تدريب الكثير من الشباب، الذين لا يرون أي بديلًا آخر غير الحرب.

في انتظار التصعيد

بالنسبة للمقاتل الصحراوي حمودي، كانت الهدنة “فخاً دام طويلاً”… وُلد الرجل عندما كانت الصحراء الغربية مقاطعة إسبانية، وكان ابن عمدة محلي، ووقع شهادته الدراسية من قبل الملك، وبعد ذلك التحق بشرطة البدو حتى عام 1974، وانضم إلى جبهة البوليساريو سرًا، يقاتل في صفوفها بلا كلل منذ عام 1975، أولاً ضد موريتانيا، ثم ضد المغرب، وتعرض للإصابة سبع مرات.

يقول أن “البوليساريو ستواجه صعوبة في إقناع المقاتلين بهدنة جديدة، حتى لو كان هناك حل سياسي، فلن يتم الحل إلا من خلال العمل العسكري”.

ويوضح “نركز الآن على حرب الاستنزاف، والأعمال الصغيرة ضد القواعد المغربية، لكنها مستعرة، ونحن مستعدون لاختراق الجدار، دك القواعد، وأخذ الأسرى، والحصول على العتاد العسكري المغربي”. “نحن فقط ننتظر قرار التنظيم السياسي”، يقول بلغة نفذ صبرها.

وتواجه البوليساريو قوة عسكرية مغربية؛ “بأسلحة حديثة وطائرات بدون طيار وهوائيات ورادارات توجه المدفعية وتأثير سياسي فعال في أوروبا، ينتقل الابتزاز بالهجرة والسيطرة على الإرهاب والاتفاقيات التجارية” تقول الصحيفة الإسبانية.

ويُظهر الصحراويون للصحافة بطارياتهم وقذائفهم الروسية القديمة، وبنادق الكلاشينكوف المتكسرة وسياراتهم القديمة من طراز “لاند روفر سانتانا” أو “نيسان باترول”، التي تم تحويلها إلى شاحنات صغيرة.

وعلى الرغم من تفوقه العسكري، فإن المغرب يقتصر عملياً على الرد، “إنه دائمًا ما يكون في موقف دفاعي” وهو متكتم تمامًا بشأن مصير قواعده وقواته المتمركزة في الجدار.

ورغم تكتم المغرب وصمته، إلا أن تقريرًا حديثًا للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أفاد بأن المغرب أبلغ أنه في الفترة من 13 نوفمبر 2020 إلى 31 أغسطس تعرض لألف قصف على مواقعه، و22 محاولة لاجتياز الجدار، و724 غارة بطائرات استطلاع بدون طيار في أجوائه.

 

 

festival

وتقول الصحيفة أن 83 بالمئة من الهجمات تتركز في منطقة المحبس التي يقودها حمودي، ويؤكد الجيش الصحراوي الرقم، رغم أنه ينفي أن تكون لديهم طائرات بدون طيار.

الضحايا

وفق ما يقول، لم تقع إصابات أو قتل في منطقة حمودي العسكرية، على الرغم من كونها المنطقة التي يتم فيها تبادل الكثير من المقذوفات.

ولا أحد يجرؤ على إعطاء أرقام دقيقة للقتلى بين الجانبين، على الرغم من وجود أرقام تقريبية هنا، تتكرر في الأحاديث وتتأرجح بين تسعة أو عشرة “شهداء” وما يزيد قليلًا عن 20 جريحًا.

ولكن ضحايا هذه الحرب القديمة والجديدة في الصحراء أكثر من مجرد إشاعات لم يتم تأكيدها رسميًا.

العربيـة سيد أحمد، استقبلت “بوبليكو” في خيمتها بابتسامة عريضة على محياها، وكانت آخر مرة جاء فيها صحفيون إلى خيمتها، لإجراء مقابلة مع شقيقها الشيخ، وهو رجل عسكري قوي البنية يبلغ من العمر 37 عامًا، كان يعود مزهوًا بالفخر من المعارك بعد شهر من المناوشات على الجدار.

وجاء حينها التلفزيون الصحراوي لمقابلته وتسجيل حفل استقبال يليق به في مخيم بوجدور للاجئين الصحراويين،”كان يعلم احتمال موته، لكنه كان متحمسًا للغاية”، تقول أخته.
وكانت الزيارة التلفزيونية التالية للتحدث معها بعد أن سقط الشيخ في قصف بنهاية يونيو بالقرب من تفاريتي شمال شرقي الصحراء الغربية في الأراضي المحررة.

“لم أستطع قول كلمة واحدة، ولم أستطع التحدث”، تقول العربية.

 

فقدان شقيقها الوحيد لم يغير رأيها بشأن الحرب، إذ تقول “إنه أمر محزن ولكنه مفخرة أيضًا… لقد سقط من أجل أرضه”.

وفي تلك الأرض يرقد، بالقرب من ساحة المعركة التي مات فيها، كما تفرض التقاليد البدوية لهذا الشعب.

رافقته إلى دار البلدية في اليوم الأول الذي ذهب فيه للقتال، وتتذكر أنه طلب منها قبل مغادرته رعاية ابنه البالغ من العمر خمس سنوات والذي يعيش مع والدته في ولاية أخرى.

وتوضح العربية “منذ وفاة أخي، بقيت مهتمةً فقط بالقضية الصحراوية، والحياة المحيطة بي لم تعد تهمني كثيرًا”.

وفي نفس المخيم، يحضر لحسن السالك، ذو الـ48 سنة، الشاي وهو جالس على فراش بسيط في عمق خيمته، يرفع ساقه بينما يجلس أحد أطفاله السبعة في حجره، مع حرص شديد ألا يؤذي رجله.

الرجل الأخرى كسرت في 22 نوفمبر، بعد أسبوع واحد من عودة السلاح للقعقعة، في هجمة، من الـ22 التي اعترف المغرب للأمم المتحدة بمحاولات البوليساريو لاقتحام الجدار.
ويتذكر قائلاً “هاجمنا في وضح النهار، في الساعة الـ11 صباحًا، كنا عدة وحدات هجمت في نفس الوقت… كنا سنأخذ عدة قواعد”، لكنها لم تسر على ما يرام.

ويصف الهجوم قائلًا “سقطت عدة قنابل، وعندما عبرنا، نصب لنا بعض الجنود المختبئين في حفرة؛ كمينًا”.
ساعتها، جرى تبادل لإطلاق النار وتلقى عدة طلقات؛ واحدة في ركبته اليسرى، الثانية في يده والثالثة اخترقت عظم الساق.

تمكنوا من إخراجه من هناك رفقة آخر أصيب بجروح أكثر خطورة في البطن، “لكنهم ولوا هاربين، ودمرت القاعدة واضطر المغاربة إلى التراجع”، كما يقول.

خلال حرب الصحراء الأولى، كان السالك طالبًا ولم يكن لديه وقت للقتال، التحق بالجيش في فترة وقف إطلاق النار، لذلك يأمل فقط في التعافي والعودة إلى القتال. وبعد مرور عام تقريبًا، لم يتم شفاء عظامه تمامًا؛ وبالكاد يمشي بضع خطوات متكئًا على عكازه.

سيتعين عليه التعافي من ركبته أولًا، لكنه يؤمن بأنه سيقود زملائه في الفريق للعودة إلى الجدار المغربي، وبينما يصر هو على العودة إلى الصفوف الأمامية للقتال، كانت بجانبه، زوجته، زروگا محمد، 40 سنة، ترضع الابن الأصغر، بينما تستمع لزوجها يتحدث عن العودة إلى المقدمة القتالية.

“ذلك يخيفني، مثل أي شخص إنسان، لكن الحقيقة يجب أن أقبلها”، تقول زوجته، فيما يصر هو “كنت أنتظر عودة القتال منذ سنوات، إذ لن يتحسن شيء بدون قتال”.

وقبل أن يتمكن السالك من الصعود إلى سيارة الـ”لاند روفر” مرة أخرى، يمكن أن يحدث الكثير، على الرغم من أن القصة ذلك لا يعني شيئا للصحراويين.

 

 

وبعد سنوات من الشلل، أفاد مجلس الأمن الدولي في سبتمبر الماضي، أن المغرب وافق على تعيين مبعوث خاص جديد للصحراء، وهو ما وافقت عليه كل من البوليساريو والجزائر.

ويواجه ستافان دي ميستورا، مهمة لم ينجزها أيٌ من أسلافه؛ منذ ما يقرب من أربعة عقود؛ بسبب “الفيتو” الفرنسي، الحامي المغربي التقليدي، والانغلاق المغربي أمام حوار حقيقي.

وأوضح العاهل المغربي، محمد السادس، بالفعل في عام 2018، أن إجراء استفتاء في الصحراء الغربية وفقًا لخطط المينورسو ليس خيارًا، واعتراف دونالد ترامب بالصحراء الغربية كأرض مغربية قبل بضعة أشهر كان بمثابة دفعة دولية.

وبالنسبة لقائد المقاتلين الصحراويين في منطقة المحبس، فإن “أي مفاوضات قد تحدث يجب أن تكون مصحوبة بضمانات الامتثال، وقلة هي الدول التي يمكنها الوثوق بكلمة المغرب”.

وهذا هو سبب استمرار نوم مقاتلي البوليساريو في العراء كل ليلة، وإعداد الشاي على بعد كيلومترات قليلة من الجدار الذي سيهاجمونه في اليوم التالي.

وبين هذا وذاك، ينغمس الصراع الصحراوي مرة أخرى في الضباب الرملي للصحراء، لا أحد يدري ما يخفي وراءه.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.