الوزير مبديع خلف القضبان وحسن الدرهم في الإنتظار

0 1

 

​في خطوة جادة تعكس رغبة الدولة في تفعيل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي مشهد قضائي حابس للأنفاس، طُويت قبل أيام القصة المثيرة لمحمد مبديع، الوزير السابق المكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة والبرلماني البارز لولايات متتالية، حيث أصدرت المحكمة حكمها النهائي بإدانته بالسجن النافذ لمدة 13 عاماً، وتغريمه مبلغاً مالياً ضخماً قُدّر بـ30 مليون درهم.

وجاء هذا الحكم الصارم بعد مسار قضائي طويل توبع فيه مبديع بتهم ثقيلة تتعلق بالفساد المالي والإداري، واستغلال النفوذ، وتبديد أموال عمومية خلال فترة رئاسته الطويلة للمجلس البلدي لمدينة الفقيه بن صالح، وهي الاختلالات التي فجرتها شكاية رسمية من الجمعية المغربية لحماية المال العام، ولم تشفع للرجل دفوعاته وتأكيداته المستمرة على براءته أو استشهاده بعقود قضاها في “خدمة الوطن”.

​لكن هذا الحزم القضائي الصارم الذي أظهرته الدولة في ملف محمد مبديع، يضعها اليوم أمام امتحان حقيقي يتعلق بمدى شمولية هذه العدالة وعدم استثنائيتها، خاصة حين يلوح في الأفق ملف آخر لا يقل ثقلاً ولا خطورة، ويتعلق بالملياردير والرئيس السابق لمجلس جماعة المرسى الترابية، حسن الدرهم، المتابع أمام محكمة جرائم الأموال بمراكش.

فهذا الملف، الذي ما زال يراوح مكانه دون حسم رادع، يثير الكثير من علامات الاستفهام حول التراخي في تفعيل الأحكام والقرارات القضائية بحق أشخاص راكموا ثروات طائلة، في وقت كشفت فيه التقارير الرسمية للمجلس الأعلى للحسابات عورات التدبير المالي والإداري للفترة التي تولى فيها الدرهم رئاسة هذه الجماعة الصحراوية الساحلية.

​لقد أسقط تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وبالمستندات والوثائق الدامغة، الستار عن واقع تسييري كارثي كان بطلُه حسن الدرهم، مفنداً كل خطابات النزاهة والتباكي على هموم المواطنين التي ظل يسوقها. فرغم الإمكانيات الهائلة والموارد الضخمة التي تزخر بها جماعة “المرسى”، والميزانيات الكبيرة التي رصدتها الدولة لتنميتها وتوفير العيش الكريم لساكنتها، إلا أن تقرير قضاة المجلس الأعلى رصد خروقات فادحة تسببت في ترك المدينة تفتقر لأبسط البنيات التحتية الأساسية.

​وقد وقف التقرير المطول، بكثير من التفصيل، على اختلالات بنيوية خطيرة شابت تدبير الممتلكات الجماعية وتسيير المرافق العمومية المحلية، مسجلاً تلاعبات واسعة في مجال تدبير النفقات العمومية، وتوجيهها لغير مقاصدها التنموية، فضلاً عن رصد عدد كبير من المشاريع المبرمجة التي ظلت حبراً على ورق ولم يتم استكمال إنجازها، مما فوت على المنطقة فرصاً حقيقية للتنمية، وحول تلك الموارد وفقاً لقرائن التقرير إلى مصالح وضغائن ضيقة على حساب العمال والعاملات الذين رهنوا مجهوداتهم مقابل فتات، بينما تحولت المقدرات العامة إلى حسابات شخصية ترفع شعار المصلحة الذاتية أولاً.

​أمام هذا التباين الصارخ في التعاطي، توجه الأسئلة اليوم مباشرة إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها الساهرة على إنفاذ القانون كيف للدولة، التي انتصرت لسيادة القانون ونفذت الأحكام القضائية الصارمة ضد وزير بحجم محمد مبديع، أن تسكت أو تتغاضى عن الحسم في ملف شخص يتابع أمام محكمة جرائم الأموال بمراكش كحسن الدرهم؟.

إن محاربة الفساد وحماية المال العام لا يمكن أن تخضع لمنطق الانتقائية أو التوازنات، بل إن استقامة مفهوم “دولة الحق والقانون” تقتضي أن تسري الأحكام والجزاءات بذات الحزم والقوة على الجميع، دون اعتبار للنفوذ المالي أو السياسي، لطمس الانطباع بوجود حصانة خفية تحمي البعض وتترك آخرين لمصيرهم المحتوم أمام العدالة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.