محمد ولد الرشيد رئيس مجلس المستشارين: منتدى مراكش يمثل منصة مرجعية لبناء شراكات عابرة للقارات
انطلقت اليوم بمدينة مراكش فعاليات الدورة الرابعة للمنتدى البرلماني الاقتصادي للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج العربي، الذي يحتضنه قصر المؤتمرات على مدى يومين تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
ويأتي تنظيم هذا الحدث البارز بمبادرة مشتركة بين مجلس المستشارين وبرلمان البحر الأبيض المتوسط، وبتعاون وثيق مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب، والشبكة البرلمانية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وسط حضور رفيع المستوى لصناع القرار الاقتصادي والسياسي من مختلف أنحاء العالم.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد محمد ولد الرشيد، رئيس مجلس المستشارين، رئيس جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا، على الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها هذا الحدث الإقليمي في تعزيز جسور التعاون والشراكة بين ضفتي المتوسط ودول الخليج العربي والقارة الإفريقية.
وأوضح أن المنتدى كرس مكانته كأحد أبرز المنصات البرلمانية الاقتصادية الإقليمية، مستقطباً مشاركة وازنة لرؤساء برلمانات ومجالس تشريعية، وممثلين رفيعي المستوى عن كبريات المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، وفي مقدمتها مجموعة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومؤسسة التمويل الدولية، ومنظمات التجارة العالمية، والتعاون الاقتصادي والتنمية، والأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)، والأغذية والزراعة (فاو)، إلى جانب قيادات القطاع الخاص والمؤسسات الاستثمارية العالمية.
وأشار ولد الرشيد إلى أن أعمال هذه الدورة تندرج في سياق دينامية متواصلة أسهمت، منذ إطلاق المنتدى، في ترسيخ فضاء برلماني اقتصادي مرجعي وغير مسبوق في المنطقة، يشكل منصة دائمة للحوار والتشاور وتبادل الخبرات بين البرلمانيين وصناع القرار والفاعليين الاقتصاديين لبلورة رؤى مشتركة حول القضايا التنموية الراهنة. وذكر أن مناقشات المشاركين ستتركز على ملفات ذات أولوية قصوى تشمل التحديات الاقتصادية العالمية، وآفاق الاندماج الإقليمي، وتشجيع الاستثمار في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن تعزيز فرص الشغل المستدامة ومواجهة تداعيات التغيرات المناخية على الأمن الغذائي.
وفي خطوة تعكس التوجه الاستراتيجي للمملكة المغربية نحو القارة السمراء، تشهد هذه الدورة تنظيم جلسة خاصة بإفريقيا تحت شعار “منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وربط سلاسل القيمة الأورو-إفريقية: نحو فضاء مندمج للإنتاج المشترك والاستثمار والصمود الاقتصادي”. وتحضر هذه الجلسة شخصيات حكومية وبرلمانية رفيعة لبحث آليات تعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي، وتطوير الربط بين سلاسل القيمة الإفريقية والأوروبية، بما يرفع من القدرة التنافسية للقارة في مواجهة الأزمات الدولية الحالية.
وفي السياق ذاته، لفت رئيس الغرفة الثانية إلى أن الاتحاد العام لمقاولات المغرب يسجل حضوراً قوياً في المداولات، إلى جانب ممثلي القطاع الخاص والمؤسسات المالية الوطنية والدولية، مما يضفي بعداً عملياً على أشغال المنتدى ويساعد في صياغة توصيات ملموسة تدعم الابتكار والشراكات متعددة الأطراف، تماشياً مع الرؤية الملكية السامية الرامية إلى تعزيز التعاون “جنوب-جنوب” وتوطيد جسور التكامل الاقتصادي العابر للقارات.
وعلى صعيد العلاقات الإقليمية، شدد ولد الرشيد على أن الشراكة المغربية – الخليجية تجاوزت منطق العلاقات الثنائية التقليدية لتغدو رافعة للتعاون العابر للأقاليم، مستندة إلى الثقة السياسية والمصالح المتبادلة.
وأوضح أن المملكة تضطلع بدور استراتيجي يجعل منها حلقة وصل حيوية بين مختلف الفضاءات باعتبارها دوائر متكاملة لمجال تتقاطع فيه المصالح وتتضاعف فيه فرص خلق القيمة المشتركة. فبالإضافة إلى الروابط الخليجية، راكمت المملكة على المستوى الأورو-متوسطي شراكة استراتيجية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي، انطلقت باتفاقية التبادل الحر سنة 1996، وتعززت بالوضع المتقدم سنة 2008، وصولاً إلى الشراكة الأورو–مغربية من أجل الازدهار المشترك التي أُطلقت سنة 2019، مما أتاح اندماجاً متزايداً للاقتصاد المغربي في سلاسل القيمة الإقليمية.
أما في البعد الإفريقي، فقد أضحى التعاون مجالأ للتمكين المتبادل والاستقرار، وهو ما يترجم فعلياً في المبادرات الملكية الإفريقية كالمبادرة الأطلسية، ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، ومبادرة تكييف الفلاحة الإفريقية، مما يعكس حرص المغرب على تحويل مقدرات القارة إلى رافعة فعلية للتنمية المشتركة.
وفي معرض حديثه عن البناء المؤسساتي للمنتدى، أكد رئيس مجلس المستشارين أن برنامج الدورة الحالية يعكس نضج المسار الذي قطعه واتساع الآفاق التي يستشرفها، موضحاً أن خصوصية هذه المحطة تتمثل في ارتكازها على أربعة محاور كبرى هي الريادة، والانفتاح، وصناعة الأثر، والمأسسة.
واستحضر ولد الرشيد في هذا الصدد الدور التشريعي في حماية الاقتصاد، مشيراً إلى أن سن تشريعات تضمن الانضباط المالي، على غرار “القاعدة الذهبية” في القانون التنظيمي للمالية المغربي، يبني جداراً واقياً ضد دوامة المديونية، كما أن المصادقة على اتفاقيات التبادل الحر لا تفتح الأسواق فحسب بل تهيئ شروط نقل المعرفة والتكنولوجيا.
وأضاف أن وضع أطر قانونية توازن بين الاستغلال المستدام للبحار وحماية التنوع البيولوجي يحصن مصدراً مستقبلياً للنمو والشغل، في حين أن تأطير طفرة الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية يضمن تحويلها إلى روافع للتنمية بدل أن تصبح مصدراً للفوارق والهشاشة.
وجدد ولد الرشيد التأكيد على انخراط مجلس المستشارين في تنسيق الجهود واتخاذ المبادرات التشريعية والعملية الكفيلة بتنزيل هذه الرؤية الجامعة على أرض الواقع؛ وهو الالتزام الذي يستمد قوته الترافعية والعملية من الخصوصية الدستورية المتفردة للمجلس، التي تمزج بشكل خلاق بين الأبعاد الترابية والاقتصادية، وتتيح له مرونة عالية لمواءمة القوانين مع تحولات الأسواق ومواكبة ديناميات التنمية المعاصرة.
وكان المنتدى قد استهل أعماله بجلسة افتتاحية رفيعة المستوى بمشاركة رؤساء الاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية ولفيف من الوزراء والخبراء.
ويتضمن البرنامج المسطر جلسات محورية تعالج قضايا الدين العمومي، والتجارة الحرة، وتحفيز الاستثمار في التكنولوجيا عبر مقترح إحداث قطب أورومتوسطي وخليجي للذكاء الاصطناعي، فضلاً عن تعزيز فرص العمل عبر الاقتصاد الأزرق، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة والشركات الناشئة كقاطرة لابتكار الشباب.
وعلى هامش هذا الحدث الإقليمي البارز، يرتقب توقيع مذكرات تفاهم استراتيجية لتعزيز التعاون البرلماني، تتقدمها اتفاقية بين مجلس المستشارين المغربي وبرلمان المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وأخرى بين جمعية مجالس الشيوخ في إفريقيا وبرلمان البحر الأبيض المتوسط، حيث يتطلع المشاركون إلى أن تسفر مخرجات المنتدى عن دفع مسارات التنمية المستدامة والتحول الرقمي، وتطوير آليات مشتركة تسهم في تحقيق الازدهار والاستقرار الاقتصادي لشعوب المنطقة.