الخطاط ينجا.. من الإستقلال إلى التبعية
في مشهد يختزل أعلى درجات الهوان السياسي، يعيش رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، الخطاط ينجا، على وقع انتكاسة كبرى وخروج مرير “بخفي حنين” من دائرة التأثير داخل حزب الاستقلال.
وتأتي هذه التحولات لتعكس تجسيداً حياً لـ “متلازمة ستوكهولم” السياسية، حيث يندفع المرء طواعية نحو من أذاقوه مرارة الإقصاء والطعن، في سلوك يرى مراقبون أنه ينم عن أصالة في التبعية وهروب إلى الأمام بعد فقدان الحظوة والدعم.
وكان الخطاط ينجا قد روج على نطاق واسع، في الآونة الأخيرة، لرواية تزعم امتلاكه نفوذاً قوياً داخل ردهات حزب الاستقلال، قادراً على ضمان مقعد له في اللجنة التنفيذية ضداً على إرادة تيار “أهل الرشيد”، معلناً في أكثر من مناسبة رفضه التام للتبعية لهم.
غير أن المجريات على أرض الواقع سرعان ما كشفت زيف هذه الادعاءات؛ فقد تلقى ينجا صفعة سياسية مدوية بعد فشله سابقاً في الحصول على عضوية اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، لتتوالى النكسات مؤخراً بفشله أيضاً في الحصول على تزكية الحزب لترشيح ابنه في الداخلة برسم الانتخابات التشريعية المقبلة.
هذا الإقصاء المزدوج عرى تماماً حجم وزنه الحقيقي داخل “الميزان” وأفقده آخر أوراق المناورة.
وأمام هذا الانسداد التنظيمي، وجد ينجا نفسه يسير في ركاب منى منت شكاف، القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة؛ وهي المفارقة التاريخية المثيرة، بالنظر إلى أن منت شكاف كانت قد طعنت رسمياً في أهليته لرئاسة مجلس الجهة أمام المحكمة الإدارية بأكادير عام 2016، واستصدرت حكماً لصالحهما آنذاك، قبل أن يجند القيادي حمدي ولد الرشيد كل ثقل حزب الاستقلال، قيادة وقواعد، لخوض معركة قانونية وسياسية شرسة أفضت إلى تثبيت ينجا في منصبه.
وتشير تقارير إعلامية متطابقة إلى أن الأيام القليلة الماضية شهدت لقاءات مكثفة وغير معلنة جمعت الخطاط ينجا بعدد من قيادات الصف الثاني في حزب الأصالة والمعاصرة (الجرار).
وأفادت المصادر ذاتها بأن هذه المفاوضات أحرزت تقدماً كبيراً في ترتيبات التحاق مجموعة من المحسوبين على الخطاط بصفوف حزب “البام”، تمهيداً لترشيح نجله في الاستحقاقات النيابية المقبلة.
ويأتي هذا التحرك الالتفافي لكون ينجا يعجز قانونياً عن إعلان انسحابه المباشر من حزب الاستقلال في الوقت الراهن، نظراً لتبعات العزل التي يفرضها القانون على رؤساء المجالس الجهوية في حال تغيير انتمائهم الحزبي، مما يجعله مجبراً على البقاء “معلقاً” بلون سياسي لا ينتمي إليه وجدانياً لمدة تناهز السنة، تطلعاً لقرار طردٍ قد لا يأتي سريعاً.
وتتوج هذه التحركات فصلاً مظلماً من مسيرة الخطاط ينجا السياسية، إذ يرى متتبعو الشأن المحلي أن استجداءه لخصوم الأمس الذين سعوا لإسقاطه، وارتماءه في أحضان حزب الأصالة والمعاصرة، لا يمثل مجرد مناورة سياسية، بل هو تجرع كامل لمرارة المهانة والاذلال.
إن هذا الارتداد يثبت بصورة قاطعة أن العرق دساس، وأن شيمة التبعية تغلبت في نهاية المطاف على ادعاءات الاستقلالية؛ فبدلاً من حفظ جميل الحزب الذي حماه وصنع ريادته، اختار ينجا طوعاً الانحناء أمام من أذلوه بالأمس، ليبقى رهين متلازمة سياسية عنوانها الخنوع والبحث عن طوق نجاة، ولو كان على حساب كرامته السياسية.