حسابات مشبوهة على منصات التواصل في الصحراء

0 68

 

​شهدت الساحة الرقمية في الصحراء، في الآونة الأخيرة، تحولاً لافتاً وخطيراً في أدوار “صناع المحتوى” و”المؤثرين”؛ إذ لم يعد الأمر مقتصراً على التسلية أو التجارة العفوية، بل تحول في كثير من الأحيان إلى أداة موجهة لخلخلة النقاش العمومي وتزييف الوعي، مما يمس بشكل مباشر استقرار المجتمع وسلامته.

​ولفهم أبعاد هذه الظاهرة، قامت مجموعة من الباحثين والمراقبين برصد مسارات هذه الحسابات وتتبعها.

وفي هذا السياق، أكد الباحث “محمد أحمد” من خلال رصده الدقيق لحركتها وجود نمط غريب ومتكرر؛ إذ يبدأ نشاط هذه الحسابات بعمل خيري، أو تجاري، أو خدمي بسيط، كوكالات كراء السيارات، وتجارة اللحوم والدواجن، أو بيع الملابس والملاحف ومستحضرات التجميل والعقارات، وصولاً إلى فئات من حراس مواقف السيارات غير المرخصين.

​ويوضح “محمد أحمد” أن التحول المفاجئ لهؤلاء الأشخاص من العمل الخيري أو التجاري البسيط إلى خوض غمار النقاشات السياسية المعقدة يطرح علامات استفهام كبرى؛ إذ يتحولون فجأة إلى “محللين استراتيجيين” يناقشون قضايا سيادية بالغة الحساسية كقضية الصحراء، ويرددون جميعاً الأفكار والصيغ نفسها، وكأنها تُملى عليهم من غرفة عمليات واحدة.

​إن المعطى الأكثر خطورة الذي أجمع عليه المراقبون هو أن أغلب هؤلاء المؤثرين والمؤثرات لا تربطهم بالصحراء أي صلة جغرافية أو امتداد قبلي، وإنما يتخذون من الزي الصحراوي الأصيل ومن اللهجة الحسانية وسيلة تضليلية للإقناع والتمويه بأنهم من أهل المنطقة.

هذا الانتحال الهوياتي ليس مجرد تسويق تجاري، بل هو سلوك مخادع وممنهج يروم كسب ثقة المجتمع المحلي لتمرير أجندات خبيثة ذات مرامٍ سياسية وتخريبية في المستقبل.

​من جانبه، لاحظ الباحث “عبد السلام” أن خطورة هؤلاء المؤثرين تكمن في قدرتهم العالية على التغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والدينية.

ويرى أن منصتي “فيسبوك” و”تيك توك” هما الأكثر استخداماً لتوجيه الجمهور، حيث يسهل تمرير الرسائل الموجهة مستغلين نمط المشاهدة السطحية لدى كثير من المتابعين الذين ينساقون وراء العاطفة دون تدقيق أو تحليل محايد.

​وفي سياق متصل، أشار الباحث “الطاهر” إلى أن أدوار هذه الحسابات تبرز بشكل فج مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتحول إلى أدوات دعائية مدفوعة الأجر لحشد الأصوات وتوجيه الناخبين لصالح أطراف معينة بناءً على الدعم المالي لا البرامج السياسية.

وينبه “الطاهر” إلى أن المعضلة الأكبر تتجلى في انزلاق هذه الفئة نحو نشر الأخبار الزائفة، وتزييف الحقائق، وفبركة الصور ومقاطع الفيديو، واعتماد خطاب الكراهية والتجريح الشخصي لتسميم الأجواء وضرب المصداقية.

​وتفادياً للتعميم، يجمع المراقبون على أن الساحة الرقمية لا تخلو من صناع محتوى جادين ومهنيين يقدمون رسائل نبيلة.

ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من هؤلاء “المؤثرين المصطنعين” باتوا يشكلون خطراً حقيقياً يعبث بوعي المجتمع خدمة لأجندات مشبوهة، وهو وضع مقلق يستدعي يقظة مجتمعية حازمة، وتحصين الرأي العام ضد هذا التضليل الممنهج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.