فيتو في نيويورك… ومنعطف في الصحراء المغربية
كيف بنى المغرب شروط الفرصة من مبادرة الحكم الذاتي إلى نهاية المينورسو؟
محمد الغيث ماء العينين
في فاتح نونبر 2026، أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة توقف بعثة المينورسو عن ممارسة مهامها وبدء تصفيتها، بعد انتهاء ولايتها في 31 أكتوبر دون أن يعتمد مجلس الأمن قرارًا بتمديدها.
وكان بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر قد عبّر عن ارتياح المغرب لعدم التجديد، معتبرًا أن صفحة امتدت خمسة وثلاثين عامًا قد طُويت، وأن ذلك يشكل خطوة نحو الطي النهائي للملف داخل الأمم المتحدة. وفي المقابل، أعربت الجزائر عن أسفها لما انتهت إليه جلسة مجلس الأمن.
ومن هنا يبرز السؤال: كيف تحوّلت نهاية البعثة، التي جاءت نتيجة خلاف داخل المجلس، إلى فرصة في القراءة المغربية؟
لا يوجد الجواب في جلسة التصويت وحدها، بل في مسار طويل تراكمت خلاله المبادرات والتحولات، وتغيّرت معه معطيات الملف والخيارات المتاحة للأطراف.
بناء شروط الفرصة
لا تنشأ الفرص السياسية من فراغ. فالمبادرات، والتحولات الميدانية، وعلاقات الشراكة، وتطور المواقف الدولية، كلها عناصر تعيد تشكيل البيئة التي يُتخذ فيها القرار. وعندما تظهر أزمة جديدة، لا تُقرأ بمعزل عما سبقها، بل في ضوء ما أصبح ممكنًا بفضل ما تراكم.
ولا يعني ذلك أن كل حدث كان مخططًا له سلفًا، أو أن المغرب يتحكم في قرارات الآخرين. لكنه يكشف عن قدرة على قراءة المتغيرات، وتقدير المخاطر والفرص، ثم تحويل العوائق إلى إمكانات جديدة للعمل.
وتساعد ثلاث محطات، مختلفة في طبيعتها ومتصلة في سياقها، على فهم هذا المنطق: مبادرة الحكم الذاتي، وأزمة الكركرات، وانتهاء ولاية المينورسو.
من مأزق الاستفتاء إلى مبادرة الحكم الذاتي
أنشأ مجلس الأمن بعثة المينورسو بالقرار 690 في 29 أبريل 1991، في إطار خطة التسوية التي قبلها المغرب وجبهة البوليساريو. ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 6 شتنبر من السنة نفسها، على أن تُنظم البعثة استفتاء لتحديد الوضع النهائي للإقليم.
لكن الخلاف حول تحديد هوية المشاركين في الاستفتاء عطّل تنفيذ الخطة. وقد نشرت الأمم المتحدة سنة 2000 لائحة مؤقتة ضمت 86,386 شخصًا اعتُبروا مؤهلين للمشاركة، من أصل 198,469 شخصًا خضعوا للمقابلات. وأعقب ذلك تقديم 131,038 طعنًا، وفق المعطيات الواردة في تقريري الأمين العام المؤرخين في 17 فبراير 2000 و20 يونيو 2001، تحت الرمزين S/2000/131 وS/2001/613.
وكانت هذه الأرقام تعكس حجم الصعوبة التي واجهت تحديد الهيئة الناخبة، في استفتاء كانت نتيجته ستُحسم بالاختيار بين الاستقلال والاندماج. ومع استمرار الخلاف، تعثرت خطة التسوية وتعددت محاولات تجاوز المأزق، من بينها مشروع الاتفاق الإطاري الذي قدمه المبعوث الشخصي للأمين العام، جيمس بيكر، سنة 2001، ثم خطة بيكر الثانية سنة 2003.
وكان مجلس الأمن قد أدرج، في قراره 1359 الصادر في 29 يونيو 2001، مستقبل المينورسو ضمن المسائل المطروحة، حين طلب من الأمين العام تقديم تقييم وتوصيات، عند الاقتضاء، بشأن ولايتها وتشكيلها. وفي تقريره الصادر في 20 أكتوبر 2004، تحت الرمز S/2004/827، وصف الأمين العام كوفي أنان الوضع بأنه مأزق سياسي، ودعا الأطراف إلى التعاون لكسره.
في هذا السياق، قدم المغرب في 11 أبريل 2007 مبادرته للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وقد فتحت المبادرة أفقًا سياسيًا لتجاوز مأزق الاستفتاء، من خلال اقتراح تسوية تقوم على تدبير سكان الأقاليم المعنية لشؤونهم في إطار الوحدة الترابية للمملكة.
ورحّب مجلس الأمن، في قراره 1754 الصادر في 30 أبريل 2007، بالجهود المغربية الجادة وذات المصداقية، ودعا إلى التفاوض بحسن نية. وهكذا انتقل النقاش من محاولة تنفيذ خطة اصطدمت بعوائق متراكمة إلى البحث عن حل سياسي قابل للتفاوض.
غير أن طرح البديل لم يُنه الخلاف. فقد واصلت البوليساريو، بدعم من الجزائر، التمسك بمقاربة تعيد النقاش إلى خيارات سبق أن تعثر المسار الأممي في تطبيقها. وهنا ظهر أحد أوجه المأزق: كلما فُتح طريق لتجاوزه، عاد الخلاف حول مرجعية الحل ليعرقل التقدم فيه.
.
الكركرات: حين اختُبر الجدار
جاءت المحطة الثانية في الميدان. فمنذ غشت 2016 أثار التوتر في منطقة الكركرات أسئلة تتعلق بحرية المرور والترتيبات العسكرية. وأقر مجلس الأمن، في قراره 2351 الصادر في 28 أبريل 2017، بأن الوضع يثير أسئلة أساسية بشأن وقف إطلاق النار والاتفاقات ذات الصلة، مؤكدًا ضرورة احترام الاتفاقات العسكرية.
وتفاقمت الأزمة بعد إغلاق المعبر في أكتوبر 2020. وفي 13 نونبر، تدخلت القوات المسلحة الملكية لإعادة فتحه وتأمين حركة المرور بين المغرب وموريتانيا. وسجّل تقرير الأمين العام المؤرخ في فاتح أكتوبر 2021، تحت الرمز S/2021/843، إقامة جدار رملي جديد في القطاع، كما سجّل إعلان البوليساريو إنهاء التزامها بوقف إطلاق النار وتجدد الأعمال العدائية.
إذا كان تدخل القوات المسلحة الملكية في الكركرات لم يغيّر الوضع شرق الجدار على امتداده، فإنه وجّه ضربة ميدانية حاسمة لأطروحة «الأراضي المحررة»، وأثبت أن الجدار الرملي ليس حدًا يفصل المغرب عن جزء من ترابه أو يمنعه من التحرك خارجه. وتعززت دلالة هذا التحول في السنوات اللاحقة بالتفوق الجوي للقوات المسلحة الملكية وقدرتها على الرصد والتدخل شرق الجدار، بما قيّد حركة عناصر البوليساريو وأضعف قدرتها على فرض أمر واقع في المنطقة.
وهكذا لم تقتصر نتيجة العملية على إعادة فتح المعبر، بل امتدت إلى تغيير القراءة السياسية والأمنية للمجال الواقع شرق الجدار. وكانت هذه فرصة ميدانية مختلفة عن فرصة 2007، مع ما صاحبها من تجدد للتوتر وإعلان الجبهة انتهاء التزامها بوقف إطلاق النار.
نهاية المينورسو: فرصة في لحظة انسداد
تواصل تطور المرجعية السياسية للملف إلى أن اعتمد مجلس الأمن، في 31 أكتوبر 2025، القرار 2797، الذي اتخذ المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي مقبول من الطرفين. كما طلب إجراء استعراض استراتيجي لمستقبل ولاية المينورسو في ضوء نتائج المفاوضات.
وبعد سنة، عُرض على المجلس مشروعان بشأن مستقبل البعثة. حصل المشروع الأمريكي على أحد عشر صوتًا مؤيدًا، لكنه سقط بسبب الفيتو الروسي. أما المشروع الروسي، الذي اقترح تمديد ولاية البعثة بصيغتها القائمة، فلم يحصل سوى على ثلاثة أصوات، مقابل امتناع أحد عشر عضوًا وصوت أمريكي معارض؛ وبذلك لم يبلغ العدد المطلوب لاعتماده.
وتكشف النتيجتان عن اتجاهين داخل المجلس: تأييد واسع للمشروع الأمريكي الذي اقترح تغييرًا في إطار عمل البعثة، وضعف التأييد لاستمرارها وفق الصيغة التي اقترحها المشروع الروسي. لكن الفيتو منع ترجمة الاتجاه الأول إلى قرار، كما حال التصويت دون اعتماد المشروع الثاني.
وأوضح وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، في حديث للقناة الثانية يوم 31 أكتوبر 2026، أن المغرب كان على علم بالموقف الروسي قبل التصويت، وأنه لم يسعَ إلى الضغط على موسكو لتغييره. ويفيد ذلك بأن الرباط قرأت مسبقًا ما يمكن أن يترتب على هذا الموقف، وقدّرت أن انتهاء البعثة يفتح إمكانًا لإعادة النظر في قواعد موروثة لتدبير الملف.
لم يصنع المغرب الفيتو الروسي، لكنه تعامل مع النتيجة المحتملة في ضوء ما تراكم من تحولات، واعتبر انتهاء المينورسو فرصة لتجاوز وضع لم تعد أدواته منسجمة مع واقع الملف.
وهنا تبرز الصلة بين المحطات الثلاث: في 2007 قدم المغرب مبادرة سياسية؛ وفي 2020 غيّر وضعًا ميدانيًا في الكركرات؛ وفي 2026 تعامل مع نتيجة تصويت لم يصنعها وحده. تختلف طبيعة الأحداث، لكن ما يجمعها هو قراءة كل مرحلة انطلاقًا مما سبقها، والعمل على تحويل العوائق إلى فرص.
ما الذي انتهى مع المينورسو؟
أُنشئت المينورسو لتنفيذ خطة التسوية، ثم تغيرت وظيفتها الفعلية مع تعثر الاستفتاء إلى مراقبة وقف إطلاق النار ودعم المسار السياسي. وما انتهى في 31 أكتوبر 2026 هو التفويض التشغيلي للبعثة، بما فيه مراقبة الترتيبات والتحقق من الحوادث. أما تصفيتها فهي عملية لإنهاء وجودها وسحب أصولها والتصرف في معداتها.
ولا يترتب على انتهاء البعثة تلقائيًا إلغاء وقف إطلاق النار أو سقوط جميع مقتضيات الاتفاق العسكري رقم 1. أما القرار 2797 فيظل آخر قرار اعتمده مجلس الأمن بشأن الملف، وتبقى مقتضياته السياسية مرجعًا للمسار الذي حدده المجلس.
وفي قراءة الفقرة الخامسة من القرار 2797، تنتهي بانقضاء ولاية البعثة دورة الإحاطات الدورية المرتبطة بها، ما لم يقرر المجلس ترتيبًا آخر. ومن هنا تكتسب دعوة المغرب إلى إنهاء المعالجة الدورية للملف داخل المجلس دلالتها المؤسساتية.
وقد سبق أن انتهت بعثات أممية دون صدور قرار مستقل بإغلاقها. ففي مقدونيا انتهت ولاية قوة الانتشار الوقائي سنة 1999 بعد فيتو صيني ضد مشروع تمديدها، وفي جورجيا انتهت ولاية بعثة المراقبة سنة 2009 بعد فيتو روسي ضد مشروع تمديدها. وفي الحالتين أعقب انتهاء التفويض انسحاب وتصفية استغرقا وقتًا. غير أن الفارق هو أن الدولتين المضيفتين كانتا ترغبان في استمرار البعثتين، بينما عبّر المغرب عن ارتياحه لانتهاء ولاية المينورسو.
شرق الجدار: سؤال المرحلة المقبلة
ومن المستبعد جدًا أن يظل الوضع شرق الجدار جامدًا بعد انتهاء البعثة. فاستمرار وجود عناصر الجبهة هناك يُبقي وضعًا سياسيًا وأمنيًا ينتقص من ممارسة المغرب لسيادته، ويفتح الباب أمام استمرار التوتر والمناوشات في غياب آلية أممية للتحقق وخفض التوتر.
ومن هنا، لا تكتمل الفرصة التي أتاحها انتهاء المينورسو ما لم تُعالج الأوضاع التي نشأت في ظل الترتيبات السابقة. وأرجح أن يتجه المغرب، في مرحلة لاحقة، إلى توسيع حضوره في مناطق من شرق الجدار، في إطار ما يراه لازمًا لحماية وحدة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه. وتُظهر تجربة الكركرات أن الترتيبات الميدانية قابلة للتغيير عندما تتغير شروطها.
فالبلاغ الملكي جمع بين تأكيد تشبث المغرب بوقف إطلاق النار وحرصه على سلامة أراضيه ووحدتها وأمنه وطمأنينة مواطنيه. وتكمن أهمية هذا الجمع في أن السلام الدائم يحتاج إلى معالجة أسباب التوتر، لا الاكتفاء بترك أوضاع قابلة للانفجار دون آلية كانت تُعنى بمراقبتها.
الحكم الذاتي: ورش متواصل لا ينتظر البوليساريو
لا تنفصل معالجة الوضع الميداني عن بناء أفق سياسي يواكب التحولات. فمبادرة الحكم الذاتي لم تُطرح لتكون جوابًا دبلوماسيًا على مقترحات الخصوم فحسب، بل لتؤسس إطارًا يمكّن سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم في ظل السيادة المغربية.
ولا ينبغي أن يظل الإعداد لهذا الورش رهينًا بموقف قيادة البوليساريو، التي لم تغتنم الفرص المتاحة خلال السنة التي أعقبت القرار 2797 للانخراط في مسار التفاوض على أساس الحكم الذاتي. فمواصلة بناء شروطه المؤسساتية والتنموية تستجيب لحاجات سكان الأقاليم الجنوبية، وتؤكد أن المغرب يتعامل مع المبادرة باعتبارها مشروعًا للمستقبل.
وإذا كانت الجهوية المتقدمة والمؤسسات المنتخبة قد أرست جزءًا من الشروط الضرورية لهذا المسار، فإن المرحلة المقبلة تقتضي مواصلة تطوير التمثيلية والمشاركة وجودة التدبير. فنجاح أي نظام للحكم الذاتي يرتبط بقدرته على التعبير عن المجتمع في تنوعه، وعلى إشراك الشباب والنساء والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني في صياغة أولوياته.
وتحتفظ المؤسسات العرفية وشيوخ القبائل والأعيان بمكانتهم في الوساطة وحفظ الروابط الاجتماعية، إلى جانب المؤسسات المنتخبة واختصاصاتها الديمقراطية. والتحدي هو إيجاد صيغة تجعل هذه الأدوار متكاملة، وتربط التمثيلية بالكفاءة والمساءلة والاستجابة لحاجات السكان.
كما أن الرؤية التنموية للأقاليم الجنوبية تمنح هذا المسار عمقًا إقليميًا. فالمبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، المعلنة في خطاب 6 نونبر 2023، تضع الأقاليم الجنوبية في صلب مشروع للتكامل والتعاون الإفريقي. وهكذا يغدو ترسيخ الاستقرار مرتبطًا أيضًا بما تتيحه المنطقة من فرص للتنمية والربط والتبادل.
الغاية: حل لا غالب فيه ولا مغلوب
تكتسب هذه التحولات معناها الكامل في ضوء خطاب جلالة الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر 2025. فقد أكد جلالته أن المغرب، رغم التطورات الإيجابية التي تعرفها قضية وحدته الترابية، يظل حريصًا على التوصل إلى حل يحفظ ماء وجه جميع الأطراف، «لا غالب فيه ولا مغلوب».
ووجّه الخطاب نداءً إلى إخواننا في مخيمات تندوف لاغتنام فرصة جمع الشمل والمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية في إطار الحكم الذاتي، مؤكدًا المساواة بين المغاربة، وبين العائدين وإخوانهم. كما دعا إلى حوار أخوي صادق مع الجزائر يتجاوز الخلافات ويؤسس لعلاقات تقوم على الثقة وحسن الجوار.
وتضع هذه التوجيهات أمام المرحلة المقبلة غاية واضحة: تثبيت الوحدة الترابية، مع إبقاء باب التسوية مفتوحًا أمام من يريد الانخراط فيها، وضمان كرامة العائدين وحقوقهم. فالمغرب لا يسعى إلى إحراج الآخرين أو إذلالهم، لكنه لا يستطيع في الوقت نفسه قبول استمرار وضع جامد يكرّس التوتر ويحرم المنطقة من إمكانات الاستقرار والتعاون.
لقد انتهت المينورسو أداةً في منظومة بدأت سنة 1991. أما الفرصة التي تفتحها نهايتها فلن تُقاس بخروج البعثة وحده، بل بقدرة المغرب على مواصلة تثبيت وحدته الترابية، وبناء شروط تسوية تضمن حقوق أبناء الصحراء، وتجمع الشمل، وتحفظ ماء وجه جميع الأطراف، وفق الرؤية التي حددها جلالة الملك: حل لا غالب فيه ولا مغلوب.